مقالات

إهانة وشبهة الكفر التي نسبها اعلام التصوف إلى حضرة أبي طالب عليه السلام

في السابق، تمّ التطرّق في موضوع بعنوان “رأي ابن عربي في شأن أبي طالب عليه السلام” إلى بعض الروايات الكثيرة التي وردت في عظمة مقام أبي طالب، عمّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله.

على سبيل المثال، ذُكر أن الإمام الرضا عليه السلام قال لأحد أصحابه: «أمّا أنّك إن لم تُقرّ بإيمان أبي طالب عليه السلام، کان مصیرک الی النار.» [1]

وقال الإمام الصادق عليه السلام في عظمة مقام أبي طالب عليه السلام:

«إن أبا طالب من رفقاء النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا! ولو وُضع إيمان أبي طالب في كفّة ميزان، وإيمان هذا الخلق في الكفّة الاخری، لرجح إيمانه.» [2][3]

كما ذکر أن ابن عربي في كتاب يزعم أنه تلقّاه من النبيّ صلى الله عليه وآله في حال المكاشفة، قال:

«لو كان للهمّة أثر، لما كان هناك أكمل من رسول الله ولا أحد أعلى وأقوى همّةً منه، ومع ذلك لم تؤثّر همّته في إسلام عمّه أبي طالب.» [4]

وبالبحث في مؤلفات رؤوس التصوف، نجد إصراراً عجيباً على إنكار إيمان أبي طالب عليه السلام، و ندرک السخریة و الاهانة الموجهه الیه.

خواجة عبد الله الأنصاري ونسبة الكفر لأبي طالب عليه السلام

على سبيل المثال، يكتب الميبدي في تفسيره كشف الأسرار، نقلا عن أستاذه خواجة عبد الله الأنصاري:

«اتانى هواها قبل ان اعرف الهوى فصادف قلبا فارغا فتمكنا

تلك كانت سعادة نزلت فجأة في قلب بلال الحبشي، وكانت تلك تعاسة أصابت أبا طالب القرشي. ما من قدم اقترب من رسول الله كقدم أبي طالب، ولكن ما الفائدة؟ إذ لم تصاحبه السعادة؟ رفعت السعادة بلالًا إلى عرش السعادة، وألقت أبا طالب في وهدة الذل والهوان. يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.» [5]

إهانة ونسبة الكفر من مولوي لأبي طالب عليه السلام

ولم يتخلّف مولوي عن هذا الركب، بل أنشد في الدفتر السادس من مثنوي:

«ذاك بوطالب عمّ الرسول

كَانَ يَرَى فِي الْإِسْلَامِ عَارًا عِنْدَ الْعَرَبِ، مُفْزِعًا لَهُمْ.

فَقَالَ: «مَاذَا سَيَقُولُ الْعَرَبُ عَنِّي،

إِذَا تَرَكْتُ دِينَ آبَائِي وَاتَّبَعْتُ دِينَ ابْنِ أَخِي وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ؟»

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلی الله علیه واله: «يَا عَمِّ، قُلْ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ،

لِأُحَاجَّ بِهَا عَنْكَ عِنْدَ رَبِّي.»

فَقَالَ: «لَكِنْ إِذَا سَمِعَهَا النَّاسُ، يُفْشُونَهَا،

فَكُلُّ سِرٍّ تَجَاوَزَ اثْنَيْنِ شَاعَ.فَأَظَلُّ فِي عُيُونِ الْعَرَبِ ذَلِيلًا،

وَأُصْبِحُ مَهَانًا فِي أَنْظَارِهِمْ.»

وَلٰكِنْ، لَوْ كَانَ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ لُطْفِ الْعِنَايَةِ الْقَدِيمَةِ،

لَمَا اسْتَحْكَمَ فِي قَلْبِهِ هٰذَا التَّرَدُّدُ وَالضَّعْفُ عَنْ جَذْبِ الْحَقِّ.

فَنَادَى الشَّاعِرُ:

«الْغَوْثَ! يَا مَنْ أَنْتَ غِيَاثُ الْمُسْتَغِيثِينَ،

نَجِّنَا مِنْ هٰذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ الْخَبِيثَيْنِ: شُعْبَتَيِ الْخِيَارِ الْمَذْمُومَيْنِ».

وفي هذه الأبيات، يصرّح مولوي أن أبا طالب رفض قول الشهادتين، وأعرض عن جذبة الحق، ووضع اختياره في خانة “الاختيارات الخبيثة” (والعياذ بالله)!

جامي ونسبة الكفر والجرأة إلى أبي طالب عليه السلام

جامي أيضًا لم يتورّع عن الطعن والذمّ في حقّ أبي طالب عليه السلام، وقد نظم أبياتًا مهينة في هذا السياق. يقول في سلسلة الذهب:

«كان بوطالب خاليًا عن الطلب

عمّ النبيّ وأبًا لعليّ ذي النسب

كان قريبًا منهم في النسب

لكن لم يجد من دينهم سبب

لم ينفعه نسبه العالي

فأُسكن في سقر مثل أبي لهب!» [6]

وقد أثارت هذه الأبيات اعتراض الكثير من علماء الشيعة، حتى شبّه قاضي مير حسين الشافعي اليزدي، الجامي بـ ابن ملجم، فقال:

«ذاك الإمامُ بحقٍّ، وليُّ الإله * أسدُ اللهِ الغالبُ الجبّارُ

آذاه اثنانِ بروحه وعقله * أحدُهم الأحمق، والآخرُ المغرور

وكلٌّ اسمه عبد الرحمنٍ *** ذاك ملجمٌ، وهذا جاميٌ الغرور» [7]

الهجويري والقشيري وطعنهم في إيمان أبي طالب عليه السلام

أما الهجويري، أحد متصوّفة القرن الخامس، فيقول في كشف المحجوب:

«قال الله: “خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ”، وقال أيضًا: “وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا”.

فالهداية بيد الله وحده، وكل ما دونه سبب، ولا يمكن للخلق أن يهدي أحدهم الآخر بدون عناية مسبّبة من الله.

وأبو الحسن النوري قال: “لا دليل على الله إلا هو”. فلا أحد يستطيع إيصال العباد إلى الله إلا هو.

ومثال ذلك أبو طالب: مع كونه عاقلًا، ومحمّدًا صلى الله عليه وآله أفضل الدعاة، لم تنفعه دعوة محمد، لأنّ شقاوته كانت قد سبقت عليه!» [8]

وكذلك القشيري، أحد صوفيي القرن الخامس، يقول في لطائف الإشارات ناقلًا رواية بلا سند:

«ألا ترى كيف قال: “اذهب فوارِه” لأبي طالب، حين قال له عليّ رضي الله عنه: مات عمّك الضال؟! وكيف قبل إسلام وحشيّ قاتل حمزة؟!» [9]

عین القضات الهمداني ونسبة الكفر إلى أبي طالب عليه السلام

وعين القضات الهمداني أيضًا في تمهيداته، أشار إلى آية من القرآن الكريم لينسب الضلال لأبي طالب عليه السلام، وقال:

«الهداية تُمنَح بالحمد، والضلالة تُسلَّم لإبليس، فلماذا قيل للنبي بشأن أبي طالب:

“إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ”؟

أيها العزيز، كلّ شيء في الملك والملكوت له وظيفة محدّدة، لكن الإنسان مُسخّر لاختيار مختار.

فكان أبو طالب ممن لم تنفعه دعوة الرسول ومحبّته، وخرج من الدنيا ضالًا.» [10][11]

ردّ العلماء واعتراف بعض أهل السنّة بإيمان أبي طالب عليه السلام

مع ذلك، فإنّ الكثير من علماء أهل السنّة أيضًا أقرّوا بإيمان أبي طالب عليه السلام. ولكن بعض المتصوفة وأهل السنّة صدرت عنهم كلمات فيها تعصّب أو سوء نية تجاه شخصية أبي طالب عليه السلام.

ولا شكّ أنّه لو وُجد عُشر الأدلّة التي تثبت إيمانه في حقّ أيّ شخص آخر، لأجمعوا على إسلامه.

لكن لماذا أصرّت جماعة على تكفيره مع وجود عشرات الأدلة الصريحة على إيمانه؟

يبدو أنّ الهدف من إثارة هذه المسألة، هو الطعن في أبناء أبي طالب، وخاصة أمير المؤمنين علي عليه السلام.

ابن أبي الحديد وموقف المعتزلة

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة:

«بعض شيوخنا من المعتزلة، كأبي القاسم البلخي، وأبي جعفر الإسكافي، قالوا بإسلام أبي طالب.

وقد كتب السيد أبو علي فخار بن معد الموسوي رسالة مستقلّة في إثبات إسلام أبي طالب، ونقل أحاديث كثيرة من العامة والخاصة، منها ما رواه أبو الفرج الأصفهاني بسنده عن عكرمة عن ابن عباس، قال:

“جاء أبو بكر بأبيه الأعمى أبي قحافة إلى رسول الله ليُسلم، فقال النبيّ: إسلام أبي طالب كان أحبّ إليّ من إسلام أبيك!”»

ونقل ابن أبي الحديد أشعار أبي طالب التي تدلّ بوضوح على إيمانه، ومنها:

«يا شاهدَ اللهِ، اشهدْ بأني على دينِ أحمدَ النبيّ المكرّم»

وفي موضع آخر قال:

«لقد أكرم الله نبيّه محمّدًا، فهو خير خلق الله من بني هاشم.

أُرسل بعد انقطاع النبوّة، وقد نصرته بسيف كالبرق، ودافعت عنه كما يدافع من أحبّه.»[۱۲]

كلام أبي طالب عند وفاته

وقد نقل الحلبي في السيرة أنّ أبا طالب أوصى أبناءه عند وفاته، فقال:

«أوصيكم بمحمد، فإنه أمين قريش، وصادق العرب، وصاحب الكمالات.

جاء بدين تؤمن به القلوب، ولكن تخشى الألسن من إعلانه.

أرى أن ضعفاء العرب اتّبعوه، وآمنوا به، وهو يقاتل قريشًا بهم.

فكونوا أنصار حزبه، فمن اتبعه سعد، ولو أمهلني القدر، لدافعت عنه مكاره الأيام.»[۱۳]

في الختام

ينبغي الإشارة إلى كيفيةِ نسبِ بعضِهم التقيةَ إلى أعلامِ التصوفِ ليثبتوا بها تشيّعَهم، مع أنَّ أعلامَ التصوفِ في كثيرٍ من المسائلِ التي لا يُجزى فيها التقيةُ شرعًا وعقلًا، قد تجاوزوا في المبالغةِ على مذهبِ أهلِ السنةِ والجماعةِ!

[۱] «کتب أبان بن محمود ألی علیِّبن موسی الرضاعلیه السلام: جعلت فداک أنِّی قد شککت فی إسلام أبی طالب. فکتب إلیه: و من یشاقق الرَّسول من بعد ما تبیَّن له الهدی و یتَّبع غیر سبیل االمؤمنین . الآیه. و بعدها إنَّک إن لم تقرَّ بایمان أبی طالب کان مصیرک إلی النّار.» [ الغدیر، ج۷، ص ۳۸۱.] [۲] “اِنَّاباطالبٍ مِن ‏رُفقاءِ اَلنَّبیینَ والصِّدّیقین والشُّهداءِ والِصالحینَ وحَسُنَ اولئک رفیقاً” [بحار الانوار، ج ۳۵، ص ۱۱۱، ح ۴۲. الغدیر، ج ۷، ص ۳۹۲، ح ۲۲. الحجّه علی الذّاهب الی تکفیر ابی طالب، سید فخار بن معد، ص۸۲. ابوطالب حامی الرسول و ناصره، نجم الدین العسکری، ص ۱۴۰.] [۳] ” إنّإیمانَ أبی طالبٍ لو وُضِعَ فی کَفَّهِ میزانٍ وإیمانُ هذا الخَلْق فی کَفَّهِ میزانٍ، لَرَجَحَ إیمانُ أبی طالبٍ على إیمانِهِم “ [بحارالانوار، ج ۳۵، ص ۱۱۲، ح ۴۴. الغدیر، ج ۷ ،ص ۳۹۰ ،ح ۱۶. مدینه المعاجز، ج ۷،ص ۵۳۵،ح ۹۸، الحجّه علی الذّاهب الی تکفیر ابی طالب، ص ۸۵. الدر النظیم، ابن حاتم العاملی، ص ۲۲۱] [۴] ترجمه عبارت از کتاب ممد الهمم در شرح فصوص الحکم، ص ۳۲۵ : “ولوکان للهمه أثر ولابد، لم یکن أحد أکمل من رسول الله صلی الله علیه و سلم و لا أعلی و لا أقوی همّـه منه، و ما أثَّرتْ فی إسلام أبی طالب عَمِّهِ” [فصوص الحکم، ص۱۳۰، انتشارات الزهراء سلام الله علیها، چاپ دوم ۱۳۷۰ هـ.ش] [۵] کشف الأسرار و عده الأبرار، ج‏۹، ص: ۵۰۸

[۶]جامى متضمن تحقیقات در تاریخ احوال و آثار منظوم و منثور خاتم الشعراء نور الدین عبدر الرحمان جامى، ص: ۱۴۱

[۷] جامى متضمن تحقیقات در تاریخ احوال و آثار منظوم و منثور خاتم الشعراء نور الدین عبدر الرحمان جامى، ص: ۱۴۲

[۸]کشف المحجوب، نشر طهورى‏، چاپ تهران‏ ۱۳۷۵، ص: ۳۴۵

[۹]لطائف الإشارات، الهیئه المصریه العامه للکتاب‏، ج‏۱، ص: ۲۹۳

[۱۰]قصص :۵۶ ؛ ترجمه آیه شریفه: بدرستی تو هر کس را که دوست داشته باشی نمی توانی هدایت کنی ، بلکه خداست که هر کس را بخواهد هدایت می کند و او به حال کسانی که هدایت پذیرندداناتر است

[۱۱]تمهیدات، دانشگاه تهران ‏۱۳۴۱ ، ص: ۱۸۹

[۱۲] ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغه، ۱۳۷۸ق، ج ۱۴، ص۷۸

[۱۳] سیره حلبی، ج ۱، ص ۳۸۹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى