كيف يفسّر ملاصدرا الروايات؟ ضَعْفٌ شَدِيدٌ في فَهْمِ ملاصدرا للروايات
من جملة الإشكالات التي يوجّهها المنتقدون إلى صدر الدين الشيرازي (ملاصدرا) هو عدم صواب وصف آرائه ومبانيه الفلسفية بأنها «إسلامية». وهذا بالإضافة إلى كثرة الأخطاء العقلية التي أُثيرت عن أصول فلسفته.[1]
كما أنّ كثيراً من المدافعين عن هذا النظام الفكري يؤكّدون دائماً على عمق المعرفة الدينية والحديثية لروّاد هذا التيار، ولذلك فإنّ تقديم الشواهد العديدة على ضعف استناد هؤلاء إلى الروايات أمر في غاية الأهمية. ويبدو أنّ أمثال صدر الدين الشيرازي – كما اعترف بعض أتباعه المعاصرين – كانوا في استدلالهم بالأخبار لا يبحثون عن المعنى الحقيقي للنصوص، بل عن شواهد تؤيّد ما توصّلوا إليه بعقولهم من أفكار مسبقة، ولذلك لم يُولِ صدرا اهتماماً كبيراً بدقّة الدلالة أو بسند الأحاديث. ومع مزجه بين الفلسفة والعرفان على طريقة ابن عربي، سار ملاصدرا في تساهله في التعامل مع النصوص الدينية على النهج الذي سلكه ابن عربي. وفيما يلي تُذكر بعض الأمثلة على سوء فهمه العجيب للروايات.
النموذج الأول: «أنا النذير العُريان»
استدلّ «ملاصدرا» على تجرد الروح بحديث «أنا النذير العريان».[2] وقد زعم أن كلمة «عريان» في هذا الحديث تعني «الخالي من المادية»؛ فقال:« رُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله): أنا النذير العريان، وهذا إشارة إلى تجرد النفس عن علائق الأجرام».[3]
الدراسة:
تعبير «أنا النذير العريان» مثلٌ عربي مشهور عند العرب. قال ابن منظور:«عن ابن دريد قال: سأَلت أَبا حاتم عن قولهم أَنا النَّذِیرُ العُرْیان، فقال: سمعت أَبا عُبیده یقول: هو الزبیر بن عمرو الخثْعَمی، و کان ناکِحاً فی بنی زُبَیْد، فأَرادت بنو زبید أَن یُغِیروا على خَثْعَمَ فخافوا أَن یُنْذِر قومَه فأَلقَوْا علیه بَراذِعَ و أَهْداماً و احتَفَظوا به فصادف غِرّه فحاضَرَهم و کان لا یُجارَى شَدًّا، فأَتى قومَه فقال: «أنا المُنْذِرُ العُرْیان یَنْبِذ ثَوبَه // إِذا الصَّدْقُ لا یَنْبِذْ لَکَ الثَّوبَ» کاذِبُ الأَزهری: من أَمثال العرب فی الإِنذار: أَنا النَّذِیرُ العُرْیان؛ قال أَبو طالب: إِنما قالوا أَنا النذِیرُ العریان لأَنّ الرجُل إِذا رأَى الغاره قد فَجِئَتْهُم و أَراد إِنذار قومه تجرّد من ثیابه و أَشار بها لیُعلم أَن قد فَجِئَتْهُم الغاره، ثم صار مثلًا لکل شیء تخاف مُفاجأَته.»[4]
وقال ابن منظور أيضاً: «[قال]ابن السکیت فی قولهم أَنا النَّذیر العُریان: هو رجل من خَثْعَم، حَمَل علیه یومَ ذی الخَلَصه عوفُ بنُ عامر بن أبی عَوْف بن عُوَیْف بن مالک بن ذُبیان ابن ثعلبه بن عمرو بن یَشْکُر فقَطع یدَه و ید امرأَته، و کانت من بنی عُتْواره بن عامر بن لیث بن بکر بن عبد مناه بن کنانه. و فی الحدیث: أَن النبی، صلى الله علیه و سلم، قال: إنما مَثَلی و مَثَلُکم کمثل رجل أَنْذَر قومَه جَیْشاً فقال: أَنا النَّذیر العُرْیان أُنْذِرکم جَیْشاً.»[5]
وبناءً على ذلك، فالمعنى الحقيقي لهذه الجملة هو: التحذير من أمرٍ خطيرٍ ومفاجئٍ وقريب الوقوع، مع وجود دليلٍ واضحٍ عليه. والحديث الذي نقله ابن منظور بيّن هذا المعنى تماماً، ولكن ملاصدرا ومن سبقه قد اقتطعوا الحديث اقتطاعاً غير صحيح، مما أدّى إلى تشويه المعنى الأصلي.
النموذج الثاني: …كُنْ أبا ذرّ
في بداية السفر الثالث من كتاب الأسفار الأربعة، وبعد أن بالغ ملاصدرا في مدح نفسه و تکرار الدعاوی الطموحة وذمّ مخالفيه وانتقاص جمهور العلماء، بدأ يتحدث عن المقامات التي –بحسب زعمه– يصل إليها الإنسان من خلال الفلسفة والتصوف؛ فقال:
« و لذلک ورد فی بعض الصحف المنزله من الکتب السماویه أنه قال سبحانه: یا بن آدم خلقتک للبقاء و أنا حی لا أموت أطعنی فیما أمرتک و انته عما نهیتک أجعلک مثلی حیا لا تموت و ورد أیضا عن صاحب شریعتنا ص فی صفه أهل الجنه أنه: یأتی إلیهم الملک فإذا دخل علیهم ناولهم کتابا من عند الله بعد أن یسلم علیهم من الله فإذا فی الکتاب من الحی القیوم الذی لا یموت إلى الحی القیوم الذی لا یموت أما بعد فإنی أقول للشیء کن فیکون و قد جعلتک الیوم تقول للشیء کن فیکون فهذا مقام من المقامات التی یصل إلیها الإنسان بالحکمه و العرفان و هو یسمى عند أهل التصوف بمقام کن کما ینقل عن رسول الله ص فی غزوه تبوک فقال کن أبا ذر فکان أبا ذر و له مقام فوق هذا یسمى بمقام الفناء فی التوحید …»[6]
الدراسة:
يرى ملاصدرا أنّ قول النبي (ص) في غزوة تبوك: «كُن أبا ذرّ» دليل على ما يسمّيه الصوفيّة «مقام كُن»، أي أن الإنسان في هذا المقام إذا قال لشيءٍ «كُن» يكون!
لكنّ حقيقة القصة على غير ما فهمه. ففي غزوة تبوك تخلّف أبو ذرّ عن الجيش بسبب ضعف بعيره، ثم تابع سيره ماشياً حتى لحق بالمسلمين بعد ثلاثة أيام. فرآه الناس من بعيد مقبلاً نحوهم، فقال النبي (ص): «كُن أبا ذرّ»، ولم تمضِ لحظات حتى قال الناس: هو أبو ذرّ! [7]
زعم ملاصدرا ومن قبله ممّن جهلوا أساليب العرب ولغة الروایات في كلامهم –أو علموا بها وأرادوا خداع الناس– أن النبي (ص) تصرّف في الواقع بقوله «كُن أبا ذرّ»، كأنه أوجد أبا ذرّ بكلمةٍ منه! والحال أنّ كلّ عاقل يدرك من سياق القصة أنّ أبا ذرّ كان في الطريق أصلاً،فلمّا اقتربَ من الجيش قال النبيّ: «كُنْ أبا ذرّ». فكيف يمكن حينئذٍ عَدُّ كلامِ النبيّ بمنزلةِ التصرّفِ ومقامِ «كُنْ فَيَكُون»؟! (قول النبي لم يكن إلا ترقّباً أو تمنّياً لرؤيته).
إنّ تعبير «كُن فلاناً» تعبيرٌ عربيّ شائع، يُقال عندما يُرى شخصٌ من بعيد فيُظنّ أو يُرجى أن يكون فلاناً المقصود، كما جاء في القصة نفسها قولهم: «كُن أبا خُثَيمة»،[8] وكذلك في مواضع أخرى كقولهم: «كُن عليّاً».[9]
قال ابن منظور في لسان العرب:« في حديث توبة كعبٍ: رأى رجلاً لا يزول به السراب فقال: كُنْ أبا خيثمة، أي صِرْه، يُقال للرجل يُرى من بعد: كُنْ فلاناً، أي أنت فلان أو هو فلان. وفي حديث عمر: أنه دخل المسجد فرأى رجلاً بذّ الهيئة فقال: كُنْ أبا مسلم.»[10]
النموذج الثالث: من رآني فقد رأى الحقّ
استدلّ ملاصدرا بهذه الرواية أیضا لإثبات تجرّد النفس:
«من رآني فقد رأی الحق»[11]
فقال: إنّ معناها أنّ من رأى رسولَ الله ﷺ فقد رأى الله، وبناءً على ذلك فبين وجود النبيّ ووجود الله تعالى مناسبة، ومن ثمّ فإنّ وجود النبيّ يجب أن يكون مجرّداً عن المادّة!
الدراسة:
من الطریف أنّ هذا الحديث لا صلة له أصلا بهذه المسائل الفلسفية. فصدر المتألهین –كعادته– قطّع نصّ الحديث وحمّله معنى لا يدلّ عليه.
فقد روى المحدّثون من الشيعة والسنّة هذا الحديث بألفاظ متقاربة في أبواب الرؤيا والمنام، منها:
«من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة» (أمالي المرتضى، دار الفکر العربی،ج٢، ص٣٩٤)
«من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتمثّل بي» (مجمع الزوائد، دارالکتب العلمیة، ج٧، ص١٨١)
«من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتكوّنني» (صحيح البخاري، دار الفکر، ج٨، ص٧٢)
«من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتزيّى بي» (الجامع الصغير، دار الفکر، ج٢، ص٦٠٢)
«من رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتشبّه بي» (كنز الفوائد، دار الذخائر، ج٢، ص٦٣)
والمقصود من الحديث أنّ من رأى رسول الله ﷺ في المنام (أو في اليقظة) فقد رآه حقّاً و رؤیاه صادقة، لأنّ الشيطان لا يستطيع أن يتشبّه بصورته الشريفة لا فی المنام و لا فی الیقظة. وهذا هو الفهم الذي أجمع عليه علماء الحدیث و اللغة والعقلاء.( ويُحتمل –كما يرى بعض الباحثين– أنّ هذا يختصّ بمن كان قد رأى النبيّ ﷺ سابقاً وعرف صورته.) أمّا ملاصدرا فقد فسّر كلمة «الحق» في الحديث بمعنى الله تعالى، واستدلّ بها في مواضع عديدة.
النموذج الرابع: … قطعة لحم مطبوخة وباردة!
الشاهد في هذا القسم ما ورد في شرح الخطبة البليغة العلوية في التوحيد، حيث يقول الإمام عليه السلام:«… الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ، قُدْرَةٌ بَانَ بِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَبَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ…»
إلا أنّ ملاصدرا قرأ كلمة «قُدرة» على أنها «فِدره»، أو لم ينتبه إلى التصحيف الواقع في بعض النسخ! وكلمة «فِدره» لفظ غريب وغير مألوف، ومعناها في اللغة «قطعة لحم مطبوخة وباردة»![12] وهي كلمة لا وجود لها في أحاديث الأئمّة عليهم السلام، ولا تستعمل في العربية الفصيحة، فكيف يصحّ ورودها في خطبةٍ بهذه البلاغة والعظمة؟!
ثمّ إنّ ملاصدرا جعل الفعل «خَلَقَ» بلا متعلّق، وربط عبارة «ما كان» بـ «فِدره»، مما أوقعه في اضطرابٍ نحويّ ومعنويّ ظاهر، قوله: « ما كان فِدره بان بها من الأشياء…»[13]
وقد ذکر المحدّث النوري رحمه الله إلى أن جميع النسخ الصحيحة من الكافي سجّل لفظ «قُدره» لا «فِدره»، ونقل أقوال العلماء الذين أكّدوا ذلك، مبيّناً أنّ جميع شُرّاح الكافي فسّروا الكلمة بمعنى «القدرة».(و طبعا یمکن ایضا الاستناد الی العدید من الشواهد الاخری من الاحادیث و الاقوال و الآثار علی ذلک) ثمّ یؤكّد أنّه بغضّ النظر عن مشاكل علم المخطوطات وعدم الفحص في الأقوال والآثار، وفقًا لِفَهْم صدر المتألّهين، فالحديث ليس صحيحًا لا من الناحية النحوية ولا من الناحية البلاغية والمعنوية.
فقال:« و أنت خبیر بأنّ (ما) موصوله، و جمله (ما کان) متعلّقه بخلق، و (لا) نافیه کما علیه بناء کلامه، و یکون ابتداء الجمله و یصیر قوله علیه السلام: (خلق) بلا متعلّق، ثم إن استعمال هذه الکلمه الغریبه الوحشیّه الغیر المعهوده فی کلماتهم (علیهم السلام) خصوصا فی هذه الخطبه البلیغه التی صرّح بأنّها فی أعلى درجه الفصاحه، ما لا یخفى. مع أنّ فی التعبیر عن الفصل الممیّز بقطعه من اللحم من البروده و البشاعه ما لا یحصى، بل على ما فسره فاللازم أن یکون الکلام هکذا: ما کان له فدره أی فصل یمیّزه عمّا عداه، و على ما ذکره فی آخر کلامه من أن امتیازه عن الأشیاء و امتیازها عنه تعالى بنفس ذاته المقدسه، فالمناسب حینئذ أن یکون (ما کان) متعلقا بالسابق، أو یکون القدره خبرا للمحذوف، أی هو تعالى فدره بان بها من الأشیاء و بانت الأشیاء منه، و هذا أحسن من نفیها عنه، کما لا یخفى.»[14]
وقال المحدّث النوري أيضاً في خاتمة المستدرك عن ملاصدرا:
«و من تصانیفه شرح أصول الکافی (إلى أن قال) و فیه منه أوهام عجیبه بل فی کتاب التّوحید منه وهم لم یسبقه إلى مثله أحد ولم یلحقه أحد!»[15]
إنّ ما ذُكِر أعلاه هو أمثلة قليلة فقط من التأويلات الفلسفيّة‑الصوفيّة لِملا صدرا، والتي يبدو أنّها ناتجة عن عدم إلمامِه باللغة العربية وآدابها والأحاديث وتفاسيرها، ومع ذلك عُرِفَت على أنّها فهم عميق للأسرار والدقائق التأويلية.! وتُبيّن هذه التأويلات الغريبة أنّه كان محرومًا من المبادئ الأساسية لفهم الحديث أيضًا.
[1] انظر تنزيه المعبود، السيد قاسم علي الأحمدي
[2] الحکمه المتعالیه فى الاسفار العقلیه الاربعه، ج۸، ص۳۰۶
[3] المبدأ و المعاد، ص ۳۰۳
[4] لسان العرب، ذیل «نذر»
[5] لسان العرب، ذیل «نذر»
[6] الحکمه المتعالیه فى الاسفار العقلیه الاربعه، ج۶، صص ۹ -۱۰
[7] تفسیر القمی، ج۱، ص۲۹۴
[8] تفسیر القمی، ج۱، ص۲۹۴
[9] شرح الأخبار فی فضائل الأئمه الأطهار علیهم السلام ؛ ج۱ ؛ صص۱۳۹ و ۳۲۲
[10] لسان العرب، ج۱۳، ص۳۶۹
[11] الاسفار العقلیه الاربعه، ج۸، ص۳۰۶
[12] لسان العرب، ط-الهادی، ج۵، ص: ۵۰ و المعجم الابجدى، ط-اسلامی، ص: ۶۵۷
[13] شرح أصول الکافی، صدرا، ج۴، ص ۱۰
[14] مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، ط-آل البیت، الخاتمه،ج۲، ص ۲۴۴
[15] مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، ط-آل البیت، الخاتمه،ج۲، ص ۲۴۱