مقالات

فلسفة ملاصدرا كلّها وُضِعت لترسيخ نظريّة وحدة الوجود – السيّد قاسم علي أحمدي

حوار مجلة «سمات» الفصلية مع حجّة الإسلام والمسلمين السيّد قاسم علي أحمدي: فلسفة ملاصدرا كلّها من أجل تثبيت نظريّة وحدة الوجود

إشارة

كتاب «تنزيه المعبود في الردّ على وحدة الوجود»، سماحة السيّد قاسم علي أحمدي، هو أثرٌ جامع في نقد نظريّة وحدة الوجود الفلسفيّة والعرفانيّة. في هذا الكتاب جرى نقد هذه النظريّة من جهة العقل والبرهان، وكذلك من خلال الآيات والروايات، كما تناول المؤلِّف آراء مجموعة من المتكلّمين وعلماء الشيعة الذين خالفوا هذه النظريّة. النصّ الآتي هو حاصل حوار مجلّة « سمات» مع الأستاذ علي أحمدي عن هذا الكتاب ومسألة وحدة الوجود، تقدّمه المجلة لقرّائها الكرام:

■ سمات: نشكرك على الوقت الذي خصّصته لنا. حوارنا سيكون عن موضوع وحدة الوجود، وهو موضوع كتابك «تنزيه المعبود في الردّ على وحدة الوجود». ولكن من المناسب في البداية أن تشير إلى جزء من سيرتك العلميّة ليتعرّف القراء عليك أكثر.

□ السيّد قاسم علي أحمدي: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا أکون منذ  ثلاثين عاماً تقریبا، في الحوزة العلميّة. حضرت دروس الفقه والأصول لسماحة آية الله العظمى الوحيد الخراساني ـ حفظه الله ـ مدّة اثنين وعشرين عاماً بشكل متواصل ومن دون انقطاع، وكتبتُ تقريرات درسه في فقه المعاملات من بداية بحث البيع إلى قِسم من مباحث الخيارات، كما حضرت دورةً كاملة من تقريرات أصوله ودوّنتها. وکذلک حضرت أربع أو خمس سنوات في درس آية الله الشيخ جواد التبريزي ـ رحمه الله ـ وسنتين في درس آية الله اللنكرودي ـ رحمه الله ـ في مسجد سلماسي. وفي السنوات الأخيرة أدركتُ محضر آية الله العظمى الصافي ـ دام ظلّه ـ مدّة سنتين أو ثلاث، واستفدت كثيراً من دروسه وآثاره في الفقه والمعارف. وأنا حالياً أحضر درس الخارج في الفقه والأصول لسماحة آية الله الرجائي ـ دام ظلّه. أمّا تدريسي، فأنا منذ نحو خمس عشرة سنة أدرّس كتب الكفاية والرسائل والمكاسب في مدرسة آية الله الکلبايکاني. كما درّست شرح التجريد عشر دورات كاملة. ودرّست كذلك كتُب بداية الحكمة ونهاية الحكمة وشرح المنظومة، ولكن طبعاً مع نقد المباني الفلسفيّة ونقضها.

■  سمات: مع أيّ أساتذة درست الفلسفة؟

□  قرأتُ الأسفار عند السيّد جوادي، أمّا البداية والنهاية والمنظومة وكذلك علم الكلام فقد درستها على أيدي أساتذة معروفين في الحوزة

■ سمات: حدّثنا عن مؤلّفاتك المطبوعة، وعن الآثار التي هي قيد الطبع.

□ أحدها كتاب «وجود العالم بعد العدم عند الإماميّة»؛ ألّفته في الفترة التي كنتُ فيها أحضر درس الأسفار، وكتبته في إثبات حدوث العالم الزماني – في نقد مباني الفلاسفةـ. والثاني: « شرح اعتقادات العلّامة المجلسي» (رحمه الله). وأیضا: «شرح تجريد الاعتقاد في إبطال مباني الفلاسفة» و«الدفاع عن المباني الحديثيّة والكلاميّة». كما ألّفت كتاباً آخر في أصول الدين عنوانه « نهج اليقين». ولدي أيضاً تقريرات الدورة الكاملة لدرسَي الأصول والفقه (كتاب البيع) لآية الله الوحيد الخراساني، فضلاً عن كتب أخرى قيد الإعداد والنشر.

■ سمات: متى بدأت البارقة الأولى لنقد الفلسفة والعرفان في ذهنك؟

□  منذ البداية، عندما بدأت أحضر الدروس، كنتُ منتقداً بسبب معرفتي بكتب العلّامة المجلسي رحمه الله، مثل حق اليقين وكفاية الموحّدين، وكتب المتقدّمين من علماء الاعتقاد، منهم الشيخ الصدوق، والمفيد، وأبي الصلاح الحلبي وغيرهم. وذات يوم طرحتُ على أحد كبار الأساتذة في الفلسفة، ممّن كان يدرّس الأسفار، روايات حدوث العالم، فقال: “دلالتها واضحة، إلا أنّها مخالفة للبديهة”. فقلتُ: أيّ بديهةٍ هذه، والعلّامة الحلّي يقول إنّ حكم القائل بقدم العالم كحكم سائر الكفّار، ويعتبر أنّ الفارق بين الإسلام والكفر هو القول بحدوث العالم أو قدمه؟ فقال الأستاذ: “إنّ العلّامة كان ضعيفاً في الفلسفة”! فقلت: لكنك قلت إنّ المسألة بديهيّة. حسناً، لنفترض أن العلّامة ضعيف في الفلسفة؛ ماذا عن المير داماد أستاذ ملاصدرا؟ فهو – رغم قوله بالحدوث الدهري – يرى أنّ الحدوث الذاتي عند الفلاسفة مخالف للوحي. فقال: “إذن ماذا تفعل بالعليّة والمعلول وضرورة المقارنة بينهما؟” فقلت: هذا في مورد صدور المعلول عن ذات العلّة، وهو مرتبط بالعلل الماديّة، لا بالله تعالى الذي خلق العالم لا من شيء. فقال: “فما معنى الإرادة عندكم؟” قلت: بحسب الآيات والروايات، الإرادة من صفات الفعل، وهي حادثة. ثم قال: “تعال إلى بیتی لنبحث المسألة”، ولكنّي لم أتابع الأمر بعد. وأقول: إنّ أساتذتي منذ شبابي عرّفوني على المباني الكلاميّة الشيعيّة والكتب الحديثيّة، وخاصّة آثار العلّامة المجلسي رحمه الله، فكان هذا، أساس تكويني العلمي.

■ سمات: لماذا اخترت موضوع وحدة الوجود ليكون محور كتابك؟ وهل مباحثك فيه عقليّة استدلاليّة، أو نقليّة، أم مزيج منهما؟

□  أوّل مرّة تنبّهتُ فيها لهذا الموضوع كان بعد قراءتي كتاب «روش رئالیسم »للأستاذ مطهري، ففهمتُ أنّ كلّ الأسفار، بل وكلّ فلسفة ملاصدرا، وُضعت لترسيخ نظريّة وحدة الوجود، وأنّ هذا هو الموضوع الجوهري في ما يسمّى بالحكمة المتعالية، وأنّ كثيراً من المباحث الأخرى ليست إلا مقدّمات للوصول إليه. ومن يقبل هذه النظريّة أو يرفضها، فهو في الحقيقة يقبل أو يرفض مجموع الحكمة المتعالية. كما أنّ دراساتي لكتب العرفاء، كابن عربي وبعض أتباعه، أوصلتني إلى أنّ جُلّ جهودهم منصبّة على إثبات وحدة الوجود وتأليه كلّ معبود. ومن الأسباب المهمّة التي دفعتني للدخول في هذا البحث، أنّني رأيتُ هنا نوعاً من التضليل العام. فبعض الناس يظنّ أن قولهم: “الاشتغال بالله منعني عن الاشتغال بغير الله” يعني وحدة الوجود! أو أنّ المقصود من وحدة الوجود، هو الانقطاع عن غير الله، وما شابه ذلك. بينما من الواضح أنّ هذا لا علاقة له إطلاقاً بوحدة الوجود التي تطرح في البداية والنهاية والمنظومة والأسفار. فالموضوع شيء آخر تماماً، وهو في تعارض صريح مع الآيات والروايات والأدلّة العقليّة. ومحورية هذا المبحث في فلسفة ملاصدرا وعرفان ابن عربي دفعتني إلى بحثه. وكما هو ظاهر في الكتاب، فقد بحثتُ المسألة من جهة عقليّة استدلاليّة ومن جهة نقليّة، علما بأنّ كثيراً من الأدلّة النقليّة تحمل في داخلها بُعداً عقليّاً واضحاً، ولم نكن ننظر إلى النقل نظرة تعبّدية محضة. ولو كنّا نظرنا إليه كذلك، فلا إشكال أيضاً، إذ ثبت في محلّه أنّ قبول الوحي والخضوع له هو من أعقل الأعمال. وبعد إثبات وجود الله تعالى وعلمه وقدرته… وإثبات نبوّة النبيّ بالأدلّة العقليّة، يمكن الرجوع إلى الكتاب والسنّة في سائر المسائل الدينيّة. ولهذا نرى كثيراً من المتكلّمين والفلاسفة يتمسّكون بالأدلّة السمعيّة في أهمّ المسائل العقائديّة مثل التوحيد والمعاد وغيرها.

■  سمات: من الناحية التاريخيّة، هل يُعلم مَن هو أوّل من طرح نظريّة وحدة الوجود؟

□  إذا راجعتم الكتاب، سترون أنّني بحثتُ هذا الموضوع تحت عنوان:« ومن عقائد عرفاء اليونان قبل الإسلام». وذكرتُ هناك أنّ أوّل من قال: إنّ العالم جوهر واحد، وإنّ هذا الجوهر هو عين صانع العالم، هو الفيلسوف اليوناني أكسيُوفان الذي عاش قبل الميلاد بستة قرون. وكان تلميذه برمنيدس تابعاً له في هذا الرأي؛ إذ كان يقول: إنّ العاقل لا يعتقد إلا بـوجودٍ واحدٍ هو كلّ الوجود ووجود الكل.

■ سمات: وهذا هو قول صدرا نفسه: “بسيط الحقيقة كلّ الأشياء”.

□ نعم، هذا هو بالضبط. لكنّ هذا الكلام  يشبه أكثر عبارة أفلوطین اليوناني، المولود سنة 204 ميلاديّة. فأفلوطين يقول: إنّ الله هو جميع الأشياء، لكنه ليس كلّ واحد منها على حدة، وإنّ جميع الموجودات إنّما هي فيضان وتجَلٍّ من ذات الله. وقد صرّح أفلوطين – تماماً مثل ملاصدرا وابن عربي – أنّ فهم هذا الأمر لا يُنال بالحسّ ولا بالعقل؛ بل عبر الكشف والشهود، وهذا في حدّ ذاته اقرار بكون نظريّة وحدة الوجود غير عقلانيّة. وقد شرحتُ في ذلك الفصل من الكتاب أنّ عرفاء الهند أيضاً كانوا قائلين بوحدة الوجود؛ حيث يقولون: إنّ ذات الله تتحوّل إلى أيّ صورة، وإنّه يجب عليه – بزعمهم – أن ينـزل من الإطلاق ويتجلّى في كلّ نوع من المخلوقات، ویقولون أيضاً: إنّ كلّ شيء من الذرّة إلى الشمس هو عين ذات الحق. وكذلك الفلاسفة الإيرانيّون القدماء كانوا يقولون: لا وجود لشيء يُسمّى عالم أو موجودات، وإنّ كلّ موجود هو عين الله أو جزء من ذاته. ومنهم من قال: إنّ وجود ما سوى الله وهمٌ وخيالٌ. وصدر المتألّهين نفسه يصرّح في الأسفار (ج 6، ص 199) بأنّ الفلاسفة – ومنهم شيخ الإشراق – هم محیو مذهب زرادشت وفلسفة الإيرانيين قبل الإسلام.

■ سمات: وأخیرا هل لملاصدرا في هذا المجال قول جديد أم لا؟

□  من يكن صاحب تتبّع وتأمّل يدرك أنّ كلام ملاصدرا هو كلام فلاسفة اليونان والهند وإيران قبل الإسلام نفسه؛ ولكنّه شرحه ووسّعه وأكثر أمثلته لا غير.

■ سمات: إلا أنّ صدرا قام بأمرٍ لم يقم به أولئك الفلاسفة، وهو محاولة تطبيق هذه النظريّة على الآيات والروايات.

□  نعم، للأسف هذا صحيح.

■ سمات: يُقال أحياناً إنّ لوحدة الوجود تقارير وصياغات متعدّدة؛ كخمسة عشر أو خمسة وعشرين تقريراً، وإنّ بعضها باطل وبعضها صحيح. ما رأيك؟

□  نعم، عندما رأى القائلون بوحدة الوجود أنّ كلامهم مخالفٌ لأبده البدیهيّات، وأنّ وحدة الوجود تستلزم إنكار كلّ شيء من التوحيد إلى المعاد، ونفي القرآن من أوّله إلى آخره؛ لجؤوا إلى اختراع “قراءات” وصياغات متعدّدة لعلّهم يفرّون من هذا المأزق الحادّ؛ لكن للأسف، لم ينتج هذا كلّه إلا تكثير الأمثلة والعبارات… دون أيّ حلّ علميّ حقيقي.

■  سمات: كيف يستلزم مبدأ وحدة الوجود إنكار أصول الدين وفروعه؟

□  إنّ الدين والشريعة والثواب والعقاب والتوحيد والشرك، كلّها تقوم على الإيمان بوجود خالق ومخلوق، وصانع ومصنوع، وأنّ في عالم الوجود سنخين اثنين: أحدهما هو الله المعبود، والآخر هو العباد المخلوقون. وكذلك في باب التوحيد والشرك: فالله الواحد الحقّ هو المعبود الحقيقي، وأما الأصنام فهي آلهة باطلة، وعبّادها مشركون، وعبّاد الله موحّدون. أمّا إذا قيل بعينيّة الخالق والمخلوق، وإنكار التغاير بين الله والخلق، والقول بأنّ الوجود واحد لا غير، وأنّه وجود الله، وأنّ سائر الموجودات والعالَم ليس إلا خيالاً ووهمًا، فحينئذ لا يبقى معنى للتوحيد ولا للشرك؛ إذ أيّ شيء عُبِد فهو في الحقيقة اللهُ نفسه، لأنّ كلّ شيء ـ على مبنى وحدة الوجود ـ ليس إلّا «حِصّة» أو «مرتبة» من ذات الله. وعلى هذا الأساس صرّح ابن عربي بأنّ عبادة بني إسرائيل للعجل كانت عين عبادة الله، وأنّ هارون عليه السلام لمّا أنكر عليهم ذلك كان ـ عند ابن عربي ـ فاقدًا للمعرفة! وللأسف، أيّد بعض المعاصرين ذلك في تعليقته على الفصول (ممدّ الهمم: 514)

■ سمات: وعلى أساس وحدة الوجود، يرى ابن عربي أنّ قوم نوح كانوا «غارقين في بحر العلم»، وأنهم رفضوا دعوته لأنهم ـ بزعمِه ـ يعلمون أنّ عبادة الأصنام هي عين عبادة الله!

□  نعم، ومن هذا المنطلق أيضًا قال الشَّبستري :«لو علِمَ المسلم حقيقة الصنم، لعلم أنّ الدين في عبادته».  [مسلمان گر بدانستی که بت چیست یقین کردی که دین در بت‌پرستی است]!

وبناءً على ذلك تصبح مفاهيم الشرك والكفر بلا موضوع، ولهذا رفض أمثال ابن عربي أو مولوي أو جملة من العرفاء القائلين بوحدة الوجود ضلالَ فرعون وإبليس؛ بل إنّ الغزالي أو عيْن القُضاة اعتبرا إبليس «رئيس الموحّدين»!

وفي باب العبادة والمعصية والثواب والعقاب، لا بدّ من الإيمان بتغاير وجود الإنسان ووجود الجنّة والنار عن وجود الله تعالى، لنقول: إنّ الإنسان عبدَ الله أو عصاه فاستحقّ الجنّة أو النار. أمّا إذا قيل بوجودٍ واحدٍ لا غير، ولا مكان فيه لوجودِ غير الله، وأنّ الإنسان والجنّة والنار كلّها «حصص» من ذات الله؛ فكيف يُتصوَّر حينئذٍ معنى العبادة أو المعصية؟! أيَعني ذلك أنّ «جزءًا» من ذات الله يعبد «جزءًا» آخر؟ أو أنّ الله يُدخِل «مرتبة» من ذاته الجنّة، و«مرتبة» أخرى النار؟!

■ سمات: وهل قول مولوي: « ایها الذاهبون الی الحج! أین أنتم؟…» [ای قوم به حج رفته کجایید کجایید…]، و« ایها الدائنون علی الله…»،[آنان که طلبکار خدایید خدایید…]، ناظرٌ إلى هذه النتيجة؟

□  نعم. فعندما قال مولوي في مقدّمة المثنوی:« إذا ظهرت الحقائق بطلت الشرائع»، فالمقصود أنّ من أدرك أنّ وجوده ليس إلا مرتبةً من ذات الله، فالتكاليف الشرعية تسقط عنه. نعم، هذه عشرات الشواهد ـ المصرّح بها في كلمات بعض الفلاسفة والعرفاء ـ من اللوازم الفاسدة لوحدة الوجود وعينيّة الخالق والمخلوق. ولمّا رأى بعضهم هذه اللوازم، حاولوا التخلّص منها باختراع صيَغٍ أخرى، فقالوا: «وحدة الوجود عندنا غير وحدة الوجود عند الصوفية»، أو أكثَروا من الأمثلة: كتشبيههم الوجود بالثلج والماء، أو بالموج والبحر. ولكنّ هذا ليس إلّا لعبًا بالألفاظ؛ إذ لا يغيّر شيئًا من الحقيقة. فهم يبدؤون من أصالة الوجود، وينتهون إلى نفي الماهيات وجعلها أمورًا عدمية، ثمّ يقولون: الوجود واحد، وهذا الوجود هو عين الله، والله عين الوجود، وليـس فـي الـدار غـيـره ديـار.  خلاصة الأمر ـ في الأسفار والمنظومة ونهاية الحكمة ـ واحدة: القول بوحدة الوجود التي تُفضي منطقيًا إلى إنكار أصول الدين وفروعه، حتى لو ادّعى أصحابها أنّهم لا يلتزمون بتلك اللوازم.

□ إنّ الاعتقاد بكون الله متناهياً بحسب ما يذكره الفلاسفة في كتبهم من تفسير «اللامتناهي» بأنّه: «بوجوده محيطٌ على ما سواه» هو أمر يخالف العقلَ والنقل؛ لأنّ اللاتناهي بهذا المعنى من صفات المقدار، وهي من شؤون الكمّ. هذا كلّه مضافًا إلى أنّ إشكال التحديد إنّما يتصوّر إذا كان بين الخالق والخلق اشتراكٌ في حقيقة الذات وسَنَخيّة بينهما، لا إذا كان سنخُ الخلق مباينًا ومغايرًا لسنخ الخالق؛ إذ في هذه الحالة لا يمكن لصفات المقدار والعدد والزمن والمكان والتجزئة والحدوث أن توجب تحديد الذات المتعالية المنزهة عن الكمّ والزمان والمكان وما إلى ذلك.

■  سمات: من أهمّ استدلالات ملا صدرا وسائر دُعاة وحدة الوجود، مسألة الاشتراك المعنوي في مفهوم الوجود بين مصاديقه، وأنّ الوجود في الله وفي غيره يُستعمل بمعنى واحد، مما يدلّ ـ بزعمهم ـ على وحدة الحقيقة بين الخالق والخلق. فهلاّ ذكرت لنا خلاصة ما كتبته حول ذلك في كتاب تنزيه المعبود؟

□  يقولون: إنّ بعض المفاهيم تُطلق بمعناها الواحد على الله وعلى الخلق ـ على نحو الاشتراك المعنوي ـ وإنّ لازِمَ هذا الإطلاق (أي لازِمُ الاشتراك في المفهوم)، هو الاشتراك في الحقيقة والسَّنخ؛ لأنّ المفهوم الواحد بمعناه الواحد لا يُطلق على شيئين أو أكثر متبائنين تمام التباين. وبعبارة أخرى: لا يُنتزع مفهوم واحد بمعنى واحد من أشياء متباينة بما هي متباينة. فإذا استُعمل المفهوم الواحد على معنى واحد في أشياء متعدّدة، كان ذلك كاشفًا عن سَنَخية وحقيقة مشتركة بينها.

والجواب: أنّنا نجد في موارد كثيرة أنّ العقلاء يطلقون اللفظ الواحد بمعناه الواحد على أمور متباينة؛ وهذا أمرٌ شائع لا إشكال فيه. فمثلاً لفظ «الماهيّة» يُطلق بالمعنى نفسه على ماهيّات متباينة، ولم يقل أحد: إنّ إطلاق لفظ الماهية على الماهيات المختلفة دليلٌ على أنها غير متباينة! وكذلك الأعراض التسعة (الأجناس العالية) متباينات لا اشتراك بينها، ومع ذلك يُطلق على جميعها لفظ «العَرَض» بمعنى واحد. وكذلك يُنتزع مفهوم «المناقضة» من المتناقضين، ومفهوم «المباينة» و«المقابلة» من المتباينين والمتقابلين. ومن ذلك أيضًا: إذا قلنا «الموجود مفهوم» و«المعدوم مفهوم»، فقد استُعمل لفظ «مفهوم» بالمعنى نفسه في الأمرين، ولا يدلّ ذلك على أيّ اشتراك بين الموجود والمعدوم، وهما أشدّ الأشياء تناقضًا وعلى العكس، قد تُنتزع من حقيقة واحدة، مفاهيم متعددة من غير أن يدلّ ذلك على تعدد المصداق؛ فنقول: الله عالم، وقادر، وحَيّ؛ ومع ذلك فالمصداق واحد. إذن: تُطلَق «الماهية» بالمعنى الواحد على ماهيات متباينة، ويُطلَق «العرض» على الأعراض المتباينة، ولا مانع من أن يُطلَق لفظ «الموجود» بالمعنى الواحد على أشياء مختلفة الحقائق.

وخلاصة الأمر: إنّ إطلاق المفهوم الواحد على أمور متباينة أمرٌ عقلي لا إشكال فيه؛ لأنّ المفهوم مفهومٌ انتزاعي، وإطلاق المفهوم الانتزاعي على المتباينات ممكن بلا محذور. وقد ذكرت في كتاب تنزيه المعبود سبعة أجوبة مفصلة عن هذا الإشكال، فليرجع إليها.

■ سمات: يقول أهل الفلسفة: نحن قد تفكرنا وتعقلنا حتى وصلنا إلى نتائج قطعية، والقطع حجّة ذاتية كما تقرر في علم الأصول، ونحن نلتزم بقطعنا ونعمل به ونؤول الآيات والروايات على أساسه؛ كما إذا قطعنا بأنّ الله ليس بجسم فنؤول قوله تعالى: «يدُ الله فوق أيديهم». وبما أنك من مدرّسی الفقه والأصول، ما رأيك في هذا الكلام؟

□  أولاً: ليس صحيحًا بأنّ مَن قصّر وسلك غير الطريق الذي أُمِرَ به، ثمّ حصل له القطع بخلاف الواقع، يكون قطعه حجّة ويكون هو معذورًا؛ كما صرّح بذلك جماعة من كبار الفقهاء والأصوليين. ثانيًا: نحن ننبّه هؤلاء، ونقيم عليهم الحجّة، ونبيّن أنّ مبادئ قطعهم ومقدماته فاسدة.

ثالثًا: إنّ الشيخ الأنصاري ـ وهو القائل بحجّية القطع ذاتًا ـ قد قال في الفرائد (ج١، ص٥٧):«إذا حصل القطع من دليل نقلي، كالحاصل من إجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زمانًا، امتنع أن يحصل قطعٌ بخلافه من دليل عقلي؛ فإن حصلت صورة برهانية تُخالفه، لم تكن إلا شبهة واهية في مقابل أمر بدیهي». ومع ذلك نرى الفلاسفة يُصرّون على نفي حدوث العالم وعلى القول بعدم سبقِه بالعدم، خلافًا لإجماع الشرائع، ومع وجود مئات الآيات والأحاديث الدالة على حدوث العالم وأنه غير أزلي، ثم يدّعون القطع بذلك!

■ سمات: أهل الحكمة المتعالية يتحدّثون أيضًا عن الكشف والشهود، ويقولون إنّهم بلغوا وحدة الوجود عبر المكاشفات. هل تطرّقت إلى هذا الموضوع في كتاب تنزيه المعبود؟ وإن كان كذلك فهلاّ ذكرت لنا تلخیصا منه؟

□ نعم، قد ذكرت هناك عدّة أجوبة عن هذه الشبهة؛ فمن ذلك قولنا: إنّ أهل الكشف أنفسهم يعترفون بوجود «الكشف الشيطاني»، وإنّ الميزان في التمييز بين الكشف الرحماني والشيطاني إنما هو موافقة الكشف للبرهان العقلي والنقلي. فإن وافق الكشفُ البرهانَ، فالاتّكال إنما يكون على البرهان، وإقحام الكشف مع البرهان كإقحام الحجر بجانب الإنسان؛ لا يزيده قوة ولا يصنع فائدة، لأنّ الحجّة إنما هي للعقل والوحي. وإن خالف الكشفُ البرهانَ، فباعتراف الخصم نفسه يكون الكشف غير معتبر ولا مفيد. هذا مضافًا إلى أنّ المكاشفات والشهود ــ على فرض تحقّقها ـ إنما هي حالات روحية ونفسانية، لا تكشف عن واقعٍ خارجي؛ كما أنّ هذه الحالات الروحية والإشراقات النفسانية، غير قابلة للانتقال إلى الآخرين، ولا دليل على حجّيتها بوجه. ولنا هناك أجوبة أخرى مذكورة في تنزيه المعبود فليراجَع.

■ سمات: يسأل بعضهم: ما دمت تردّ الكتب الفلسفية والعرفانية، فما هی الکتب التی توصی بها لدراسة التوحيد وسائر أصول العقائد؟

□  أوصي بكتب الشيخ الجليل المفيد، والعلّامة الحلّي، والفاضل المقداد، وكثير من المتكلّمين والفقهاء من علماء الشيعة الذين صنّفوا في الردّ على الفلاسفة والعرفاء عبر التاريخ، إلى كتاب «كفاية الموحّدين» وكتاب «حقّ اليقين» للشبر، وجميع مؤلفات العلّامة المجلسي. ومن المعاصرين: المجلّد الثاني من محاضرات السيّد الخوئي، وكذلك الكتب المتعددة المطبوعة لآية الله الصافي في هذا الباب، وهي نافعة جدًّا.

■ سمات: نشكركم جزيل الشكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى