مقالات

مذهبُ شيوخِ التصوّف قبلَ القرنِ السابع

مذهبُ كبارِ الصوفيّة

ما هو مذهبُ كبارِ العرفانِ والتصوّف؟ هل كان أقطابُ الصوفيّة من الشيعة أم من أهلِ السنّة؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تُعَدّ من المسائلِ المهمّة التي يُمكن أن تكون دليلاً نافعًا في دراسةِ آراء وعقائد الصوفيّة والبحث في هذا المجال. ومع نظرةٍ سريعة إلى المؤلَّفات التي كُتبت في تراجمِ الصوفيّة، يتبيّن بوضوح أنّ جميعَ الصوفيّة في القرونِ الأولى كانوا من أهلِ السنّة، وأنّ التصوّف في الأصل نشأ وترعرع في أحضانِ أهلِ السنّة. وفيما يلي بعضُ الشواهد على ذلك:

الحسن البصري (ت 110 هـ) كان رئيسَ القدريّة في البصرة [1]. وكان يمدحُ عدلَ وسيرةَ الخليفتَين بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم [2]، ويستنكرُ قتلَ عثمان ويُكفّرُ قاتليه. [3] ونقلَ محمد بن علي الكراجكي (ت 449 هـ) في كتابه «التعجب»، أنّ الحسنَ البصري لم يقبل ولايةَ أهلِ البيت عليهم السلام[4]. وكان من المخالفين لأمير المؤمنين عليه السلام في حروبِ الجمل وصفّين والنهروان، وكان يعترضُ على الإمام بأنّه لِمَ أراق دماءَ المسلمين [5].

الحسن البصري كذلك لم يَقبل ولايةَ الحسن بن عليّ عليهما السلام.[۶]وبحسب ما رواه محمد بن جرير الطبري (ت 326 هـ) ،وهو إمامي المذهب ، في كتابه «المسترشد» ، فإنّ الحسن البصري لم يَقبل ولايةَ سيّد الشهداء عليه السلام أيضًا، ولم ينصره[7].

محمد بن واسع [8]، فرقد السبخي [9]، مالك بن دينار [10]، و عبد الواحد بن زيد البصري [11] كانوا من أصحاب وتلامذة الحسن البصري، ومن الطبيعي أنّهم اتّبعوا مدرسته الفكريّة. ونقل الهجويري أنّ إبراهيم بن أدهم كان يُجالس أبا حنيفة ويتلقّى العلمَ منه [12]، وكان أبو حنيفة يلقّبه بـ «سيّدنا إبراهيم». [13]

أمّا سفيان الثوري فكان يرى الخلفاءَ الأربعة من أئمّة العدل، ويقول: من لا يعتقد ذلك فقد تجاوز الحق [14]. غير أنّ الإمام الباقر عليه السلام عدّه مع أبي حنيفة من الذين يُضلّون الناس عن دين الله ويَصدّونهم عن الرجوع إلى أهل البيت عليهم السلام. [15]

داود الطائي لازم أبا حنيفة عشرين سنةً تلميذًا عنده [16].

شقيق البلخي كان من اهل السنة، وتعلّم على يد زُفَر، وكان يحضر دروسَ أبي حنيفة [17].

كان بشر الحافي في فتنةِ خلق القرآن يرى أحمد بن حنبل بمنزلة الأنبياء الذين يدافعون عن الحق. [18]

أما الحارث المحاسبي فكان من معاصري الشافعي وأحمد بن حنبل [19]، وكان مذهبه شافعيًّا، ويُعدّ من أنصار الأشاعرة.[20]

وكان ذو النون المصري تلميذًا لمالك بن أنس، وعلى المذهب المالكي. [21]

وتعلّم محمد بن علي الترمذي الفقهَ الحنفي على يد أحد خواصّ أصحاب أبي حنيفة.[22]، غير أنّ المناوي وصفه بأنّه شافعيّ المذهب. [23]

وقد ألّف الترمذي رسالةً بعنوان « الرد على الرافضة»، بيّن فيها رأيه تجاه الرافضة والتشيّع، وأنكر فيها النصَّ على خلافة علي بن أبي طالب عليهما السلام. [24]

وكان سهل التستري من أهل السنّة أهلِ الحديث، ومن المخالفين للمعتزلة. [25]

وكان أحمد بن حنبل إذا عَرضت له مسألةٌ مشكلة، رجع إلى أبي حمزة البغدادي [26].

ونقل الجامي أنّ بايزيد البسطامي كان من أصحاب الرأي، لكنّه لم يلتزم بمذهب فقهي معيّن. [27]

أمّا الجنيد البغدادي فكان على المذهب الشافعي [28].

و أما الحلّاج فكان يعدّ نفسه مسلمًا وملتزمًا بمذهب أهل السنّة.[29]، غير أنّ الذهبي في «تاريخ الإسلام» نقل عن أبي بكر الصولي أنّه قال: جالستُ الحلاج، فكان إذا وجد أهلَ بلده على الاعتزال صار معتزليًّا، وإذا رآهم على التشيّع أظهر التشيّع، وإذا رآهم على التسنّن صار سنّيًّا. [30]

وكان أبو بكر الشبلي مالكيَّ المذهب.[31]، وكان يرى أنّه لا توجد فرقة في العالم أحطّ قدرًا من الرافضة والخوارج. [32]

وكان أبو نصر السراج الطوسي (ت 378 هـ) يصلّي صلاة التراويح في رمضان، وهي من خصائص أهل السنّة. [33]

ونقل العطار أنّ الخليفة سأل الشيخ أبا الحسن الحصري (ت 371 هـ): أيُّ مذهبٍ لك؟ قال: كنتُ على مذهب أبي حنيفة ثم صرتُ إلى مذهب الشافعي، والآن أنا مشتغلٌ بشيءٍ لا أعرف له مذهبًا. قال: وما هو؟ قال: التصوّف. [34]

وكان خواجة عبد الله الأنصاري (ت 418 هـ) حنبليَّ المذهب ومن أهل الحديث، وكان يؤلّف كتبًا في الردّ على الأشاعرة والمعتزلة. [35]

أما أبو القاسم القشيري (ت 465 هـ) فكان من المدافعين عن المذهب الأشعري [36].

كان أبو حامد محمد الغزالي (ت 505 هـ) من كبار علماء أهل السنّة على المذهب الأشعري. [37]

وكان عين القضات الهمداني (ت 525 هـ) من الصوفيّة الشافعية. [38]

لقد كان التصوّف في القرون الأولى ممتزجًا بالتسنّن إلى درجة أنّ الشيخ نجم الدين الرازي في كتابه «مرصاد العباد» اعتبر التسنّن شرطًا لازمًا لدخول ميدان التصوّف، فقال:« للمريد والمرشد في التصوّف شروطٌ عدّة، أحدها أن يكون سنّيًّا.» [39]

و ذكر خواجة عبد الله الأنصاري في «طبقات الصوفية: «« کان أبو يزيد شيخا من صوفيّة مرو، قال شريف محمد بن علي بن زيد: من فوائده أنّه قال لي يومًا: ما لم تخرج من هذا التعلّق بالعلويّة بشکل کامل، فلن تنال من هذا الشأن (أي التصوّف) ذرّة. أعرف من هذه الطائفة من الصوفيّة ألفًا ومئتين إمامًا، ولم أجد فيهم إلا واحدًا ونصفًا علويًّا.» [40]

و أورد السيد المرتضى بن داعي الحسني الرازي (المتوفّى في القرن السادس الهجري)، صاحب «تبصرة العوام في معرفة مقالات الأنام» في مطلع الباب السادس عشر من كتابه، المخصّص لبيان «مقالات الصوفيّة»، قوله :« و هم من أهل السنّة.» [41]

ذكر المرحوم آية الله السيّد شهاب الدين المرعشي في حاشيته على «إحقاق الحق» أنّ بذور التصوّف ونموّه كانا في أحضان أهل السنّة، وكتب يقول:« إنّ مصيبة الصوفيّة على الإسلام عندي من أعظم المصائب، فقد أدّت إلى زوال أركان الدين وانهيار بنيانه. وبعد بحثٍ طويل في أقوالهم وكلماتهم ظهر لي أنّ هذا الداء (أي التصوّف) تسلّل إلى الإسلام من رهبانية النصارى، فأوّل من ابتُلي به العامّة كالحسن البصري، والشبلي، ومعروف الكرخي،  و الزهری والجنيد وأمثالهم، ثم انتقل منهم إلى الشيعة.» [42]

ولذلك، في الكتب الصوفيّة الأولی لا يُذكر الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام ولا علماء مدرستهم ضمن رجال التصوّف.[43].

وإنْ ورد اسمُ شيعيٍّ أحيانًا في عداد أهل التصوّف، فإنّه – على حدّ تعبير المرحوم المقدّس الأردبيلي في «حديقة الشيعة» – كان من باب التقيّة، حيث قال:« جمهور الصوفيّة من المخالفين لأهل البيت، إلاّ القليل منهم الذين كانوا في زمن استيلاء المخالفين يتسمّون بهذا الاسم من باب التقيّة.» [44]

يبدو أنّ التشيّع حتى القرن الخامس لم يكن له علاقة بالطرق أو الفِرَق الصوفيّة، ولذلك لا يُمكن العثور على مؤلَّفات تحمل في الوقت نفسه صبغةً شيعيّة وصوفيّة. ومن ثَمّ ينبغي البحث عن منشأ التصوّف في أوساط أهل السنّة. ومع ذلك، لا يمكن الشكّ في أنّ المجتمع الشيعي كانت فيه أرضيّة مهيّأة لدخول التصوّف، ولهذا فإنّ التشيّع والتصوّف – في الواقع – تقاربا بدرجةٍ كبيرة ابتداءً من القرن السابع فما بعده [45].


[۱] مبانی العرفان وأحوال العارفین، ص ۲۳۸

[۲] كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج ۲، ص ۸۹۷

[۳] المسترشد، ص ۱۵۶ – ۱۵۷ / التعجب من أغلاط العامّة في مسألة الإمامة، ص ۱۱۴ – ۱۱۵

[۴] التعجب من أغلاط العامّة في مسألة الإمامة، ص ۱۱۴ – ۱۱۵

[۵] مبانی العرفان وأحوال العارفین، ص ۲۳۸، نقلاً عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد / الخرائج والجرائح، ج ۲، ص ۵۴۷ / الاحتجاج، ج ۱، ص ۱۷۱

[۶] التعجب من أغلاط العامّة في مسألة الإمامة، ص ۱۱۴ – ۱۱۵

[۷] المسترشد، ص ۱۵۶

[۸]تذكرة الأولياء، ص ۵۳

[٩] الكواكب الدرّية، ج ۱، ص ۳۹۴

[۱۰] تذكرة الأولياء، ص ۴۵

[۱۱]نفحات الأنس، ص ۹۰

[۱۲]کشف المحجوب، ص ۱۲۸

[۱۳] تذکرة الأولیاء، ص ۹۱

[۱۴]الکو اکب الدریة، ج ۱، ص ۳۰۶

[۱۵]الکافی، ج ۱، ص ۳۹۲ – ۳۹۳

[۱۶]تذکرة الأولیاء، ص ۲۲۷

[۱۷]نفحات الأنس، ص ۴۶ ـ ۴۷

[۱۸]نفحات الأنس، ص ۴۵

[۱۹]الکو اکب الدریة، ج ۱، ص ۵۸۶ و ۵۸۸

[۲۰]مقالة: «الصوفيون الأوائل – الصوفيون قبل الحلاج» بشيردار و لوي ماسينيون، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ج ۱، ص ۴۸۹ ـ ۴۶۹

[۲۱]نفحات الأنس، ص ۲۸ / طبقات الصوفية، ص ۱۱

[۲۲]کشف المحجوب، ص ۱۷۸

[۲۳]الکو اکب الدریة، ج ۲، ص ۱۳۰

[۲۴]البحث في التصوف الإيراني، ص ۵۴

. [25] البحث في التصوف الإيراني، ص 133-134

. [26] تذكرة الأولياء، ص 627

. [27] نفحات الأنس، ص 54

. [28] نفحات الأنس، ص 79؛ طبقات الصوفية، ص 161؛ أصول العرفان وأحوال المتصوفين، ص 281

[29] البحث في التصوف الإيراني، ص 149

. [30] تاريخ الإسلام، المجلد 23، ص 36

. [31] نفحات الأنس، ص 183؛ طبقات الصوفية، ص 377

. [32] تذكرة الأولياء، ص 546

. [33] تذكرة الأولياء، ص 555

. [34] تذكرة الأولياء، ص 663

. [35] أصول التصوف وأحوال المتصوفة، ص 386-387

. [36] أصول التصوف ومكانة الصوفيين، ص 379

. [37] أصول التصوف ومكانة الصوفيين، ص 404.

[38] أصول التصوف ومكانة الصوفيين، ص 419

. [39] موقف الشيعة من التصوف، ص 69

. [40] طبقات الصوفية، خواجة عبد الله الأنصاري، بی نا، بي جا، بي تا، ص 33

[41]تبصرة العوام، ص 122

. [42] إحقاق الحق، ج 1، ص 183-184

. [43] موقف الشيعة من التصوف، ص 68

. [44] حديقة الشيعة، ج 4، ص 792

. [45] الصفويون في ساحة الدين والثقافة والسياسة، المجلد الثاني، ص 515

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى