ابن عربي: أبو بكر صاحبُ سرِّ النبيّ ﷺ وشريكُه في النبوّة، ولا أحدَ يفوقه منزلةً!
يقول ابن عربي في أبي بكر: «… فليس بين أبي بكر ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رجلٌ؛ لأنّه صاحبُ صدّيقيّته وصاحبُ سرٍّ. فهو من كونه صاحبَ سرٍّ، بين الصدّيقيّة ونبوّة التشريع، ويُشارِك فيه، فلا يَفضُل عليه مَن يشاركه فيه، بل هو مساوٍ له في حقيقته، فافهم ذلك.» [1]
وبناءً على اعتقاد ابن عربي، لا يوجد شخصٌ يحول بين أبي بكر ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لأنّ أبا بكر صاحبُ مقام الصدّيقيّة وصاحبُ السرّ. ويعود ذلك إلى كونه صاحبَ سرٍّ، إذ يحتلّ ـ بحسب هذا التصوّر ـ منزلةً بين مقام الصدّيقيّة والنبوّة التشريعيّة، ويشارك النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في أمر النبوّة. ومن ثمّ، لا يكون لأحدٍ ممّن يشاركه في هذا الأمر فضلٌ عليه أو رجحان، بل إنّ أبا بكر يساويه في الحقيقة والمقام. فتأمّل هذه الحقيقة، وأمعن النظر فيها لتدرك عظمة المنزلة التي يثبتها ابن عربي لأبي بكر! !!
إنّ عبارة «فافهم ذلك» التي ختم بها محيي الدين ابن عربي كلامه، بعد ما ساقه من إفاضات علميّة في تعظيم منزلة أبي بكر، واعتباره صاحبَ مقامٍ رفيعٍ وفريدٍ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل واعتباره شريكًا للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ومساويًا له في أمر النبوّة، وغير ذلك، تنطوي على عدّة دلالات:
إنّ إدراك هذه المفاهيم ومعرفة هذه المنزلة العظيمة والشأن الرفيع لأبي بكر ـ بحسب تصوّر ابن عربي ـ يتطلّبان ذکاء وقابليّةً فائقةً، وهما ممّا توصّل إليه محيي الدين، أي الشيخ الأكبر عند الصوفيّة، بفضل إدراكاته ومكاشفاته وشهوده العرفانيّ. فهو لا يرى أنّ جميع مخاطَبيه مؤهّلون لاستيعاب هذه المعارف، بما تنطوي عليه من مسائل عرفانيّة دقيقة ومعقّدة وأسرار غامضة. ومن خلال خطابه بقوله «فافهم»، يطلب من هؤلاء المخاطَبين قلیل الذکاء أن يولوا هذه الأسرار والمكاشفات الخاصّة بالغ الدقّة والاهتمام، وأن يُمعنوا النظر فيها كي يتمكّنوا من إدراكها وفهمها.
[1] الفتوحات المكّيّة (في أربعة مجلّدات)، ج ٢، ص ٢٥، دار صادر، بيروت – الفتوحات المكّيّة (في أربعة عشر مجلّدًا)، ج ١١، ص ٣٩٨، تحقيق: عثمان يحيى، الطبعة الثانية، ١٤٠٥هـ، مصر.