مقالات

السيرة الذاتية لعبد القادر الجيلاني وعقائده

السيرة والحیاة

أبو محمد محيي الدين عبد القادر الجيلاني (أو الكيلاني[1])، صوفي وشاعر إيراني ومؤسس الطريقة القادرية، وُلِد سنة 471هـ (1078م) في قرية نيف التابعة لصومعة سرا في إقليم جيلان.[2]

كان والده موسى جنكي دوست، وكانت والدته فاطمة أم الخير، ابنة العارف المعروف السيد أبي عبد الله الصومعي. وقد عُرف بألقاب عديدة، منها: «محيي الدين»، و«الغوث الأعظم»، و«دستگير»[3]،[4]وتوفي سنة 561هـ (1166م) في بغداد.[5]

النسب والإنتساب الی السادة

ينسب أتباع الجيلاني نسبه من جهة الأب إلى الإمام الحسن المثنّى، ومن جهة الأم إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).[6]

غير أنّ عدداً من كبار علماء الأنساب قد رفضوا هذا الادعاء. وقد رأى باحثون، مثل «ابن ميمون النسّابة»، مع تأكيدهم على الأصل الإيراني للجيلاني، أن محاولة أبنائه ادّعاء السيادة واختلاق نسبٍ علويّ له لا أساس له.[7]

المهاجرة والدراسة

رحل الجيلاني إلى بغداد في شبابه، طلبًا للعلوم الدينية. وهناك درس الأدب العربي على يد أبي زكريا التبريزي، وتلقّى علم الحديث عن ستة عشر شيخًا. كما درس الفقه في المذاهب السنية الأربعة: الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، على أيدي خمسة من كبار الفقهاء.[8]

النزعة إلى التصوف

في سن الخامسة والخمسين، وبعد لقائه بحمّاد بن مسلم الدُّبّاس ــ وهو درويش أُمّي، لكنه كان يتمتع بنفوذ واسع بين صوفية بغداد ــ[9] مال الجيلاني إلى التصوف، وتلقّى خرقة الطريقة من القاضي أبي سعيد المبارك المُخَرَّمي، رئيس الحنابلة في بغداد.[10] ويُقال إنه قضى سنواتٍ في رياضاتٍ صوفية في خرائب إيوان كسرى، إلى أن ادّعى في نهاية الأمر تلقي الإلهام والتكليف بإرشاد الناس.[11]

المشایخ والأقطاب

كان أبرز شيخين في طريقته هما حمّاد الدُّبّاس وأبو سعيد المخزومي. وتنتهي سلسلة الطريقة القادرية، عن طريق المخزومي، إلى الجنيد ومعروف الكرخي (أو أبي بكر الشبلي). ومع مرور الزمن، ذاع صيت عبد القادر إلى حدّ أن هذه السلسلة بأكملها أصبحت تُعرف باسمه.[12]

الأبناء والتلاميذ

انتشرت فروعٌ مختلفة من الطريقة القادرية في أنحاء العالم الإسلامي من نسل الجيلاني. وقد بذل بعض أبنائه وأحفاده ــ ومنهم نصر بن أبي بكر ــ جهودًا كبيرة لإثبات انتسابه إلى السادة، إلا أن الباحثين عدّوا هذا الادعاء غير معتبر.[13]

مؤلفاته

من المؤلفات المنسوبة إلى الجيلاني: الفتح الرباني، والغُنية لطالبي طريق الحق، وجلاء الخاطر، وسرّ الأسرار. وقد أثار الباحثون المعاصرون شكوكًا حول صحة نسبة بعض هذه المؤلفات إليه، ولا سيما الرسائل الأربع.[14]

مكانته بين الصوفية

يحظى عبد القادر الجيلاني بمكانة خاصة بين الصوفية، وقد وُصف بأوصاف مبالغ فيها، مثل «شمس بلا أفل» و«قطب الأقطاب». ووفقًا لتعبير زرّين كوب، فإن كثرة الأساطير والكرامات المنسوبة إليه جعلت التعرّف إلى شخصيته التاريخية الحقيقية صعبا.[15]

أفكار عبد القادر الجيلاني وآراؤه

 مواقفه العقدية والسياسية

كان الجيلاني، في أصول العقيدة، متأثرًا بالمدرسة الأشعرية[16]، وفي الفروع الفقهية بالمذهب الحنبلي في الغالب[17]، وكان يرى أن الالتزام بمذاهب أهل السنة شرطٌ مسبق للانخراط في التصوف.[18] وعلى الرغم من أن هذه السمة أكسبته تقدير علماء مثل ابن تيمية[19]، فإنه اتخذ، في المقابل، مواقف معادية تجاه المذهب الشيعي. فقد عدّ الشيعة الإمامية، إلى جانب فرقٍ كالمرجئة والقدرية، من «أهل البدعة»[20]، وكان يفترض مشروعية الخلفاء الأمويين والعباسيين السياسية والدينية[21]؛ وهي رؤية تتعارض بوضوح مع اعتقاد الإمامية بحصر الإمامة في ذرية أمير المؤمنين علي (عليه السلام). بل إنه اتخذ، في مسألة عاشوراء، موقفًا مغايرًا للتقليد الشيعي، فاعتبر هذا اليوم «يوم سرور»، وعدّ الصيام فيه مستحبًّا[22]؛ وهو موقف يكشف بوضوح عن افتراقه المعرفي وبُعده الفكري العميق عن خطاب أهل البيت. كما شبّه الجيلاني الشيعة باليهود، ووجّه إليهم اتهامات لا أساس لها، مثل القول بتحريف القرآن، مما يكشف عن معارضته للتشيع ولأسسه ومبادئه. وللمزيد من الاطلاع على موقف عبد القادر الجيلاني من الشيعة، وكذلك اهتمام ابن تيمية الكبير بعبد القادر الجيلاني، يُراجع: «عبد القادر الجيلاني والشيعة ـ موقف مؤسس الطريقة القادرية من الشيعة»

النزعة المعرفیة الحصرية وإقصاء العلوم الرسمية

كان الجيلاني ينظر إلى المعرفة النظرية والعلوم المدوَّنة نظرةً تقلّل من شأنها، وكان يعتقد أن العلم الحقيقي لا يُنال إلا من خلال «الحال» و«الكشف الباطني».[23] ومن وجهة نظره، فإن العارف الكامل، بعد اجتياز مراحل السلوك، يتصل مباشرةً بروح النبي (صلى الله عليه وآله)، ويتلقى إلهاماته من خلال هذا الاتصال.[24] وقد وردت في بعض المصادر روايات تفيد بأنه أمر بإتلاف بعض الكتب، وهو ما يُستشهد به بوصفه دليلاً على نزعةٍ مناهضة للعقل وللعلم في منهجه.[25] ومثل هذه الرؤية، وإن كانت شائعة بين الصوفية، فإنها بلغت عند الجيلاني درجةً عالية من حصرية المعرفة واحتكار مصادرها.

الاعتقاد بالتجسيم ورؤية الله تعالى

في مباحث التوحيد، يُعَدّ الجيلاني من القائلين بالتجسيم وإمكان رؤية الله تعالى. فقد صرّح في كتاب الفتح الرباني بأن الله تعالى يُرى في الدنيا بـ«عين القلب»، وفي الآخرة بـ«عين الرأس.[26] وتتعارض هذه الرؤية بصورةٍ واضحة مع المباني التنزيهية في العقيدة الإمامية، وتنطوي على تصوّرٍ ذي نزعة جسمانية للذات الإلهية. وعلى الرغم من أن الجيلاني كان يميّز نفسه عن الغلاة في القول بالتجسيم[27]، فإن موقفه من مسألة التجسيم يكشف عن انحرافٍ في تصوراته العقدیة ووقوعه في مسارات اعتقادیة منحرفة، کما یعکس بوضوح مدی ابتعاده عن الإسس والمبادئ العقدیة للتشیع.

الفناء في الله

يُراد بـ«الفناء في الله» في اصطلاح عبد القادر الجيلاني محو الصفات والخصائص الإنسانية والتحلّي بالصفات الإلهية؛[28] وهو، بحسب اعتقاده، النتيجة النهائية للسير والسلوك وتحقيق «وحدة الشهود» في نفس السالك.

و في شرحه لمراتب الفناء، يقدّم الجيلاني تقسيمًا خاصًّا؛ فأولًا: «الفناء عن الخلق»، وهو ما يتحقق بإذن الله؛ وثانيًا: «الفناء عن الهوى»، وهو ما يتحقق بأمر الله؛ وأخيرًا: «الفناء عن الإرادة»، وهو ما يتحقق بفعل الله تعالى.[29] وتمثّل هذه المراتب، في الواقع، تفسيرًا لعملية التحرر التدريجي للإنسان من التعلقات البشرية والوصول إلى مقام الفناء التام في الذات الإلهية.

الأسماء والأنوار الإلهية

يقدّم الجيلاني في مؤلفاته نظامًا رمزيًا وباطنيًا للأسماء الإلهية. فهو يذكر سبعة أسماء رئيسية وستة أسماء فرعية من أسماء الله تعالى، ويخصّص لكل واحدٍ منها عددًا ولونًا ومرتبةً وجودية وذِكرًا معينًا. وتحتل هذه الأسماء الثلاثة عشر مكانةً محورية في منظومته الفكرية، إذ ينبغي للسالك، بحسب تصوّره، أن يكرّر كل اسم بعدد حروفه وفق حساب الأبجد، حتى ينال «النور الخاص» بذلك الاسم ويرى نفسه مظهرًا لمعناه الإلهي.[30]

وإن ربط هذه الأسماء بـ«العلوم الغريبة» و«علم الجفر» في مؤلفات الجيلاني يشير إلى امتزاج عرفانه بالسحر والطلاسم، وهو ما ترك تأثيرًا ملحوظًا في المدارس الصوفية اللاحقة، ولا سيما الطريقة القادرية. أمّا بطلان اللجوء إلى السحر والشعوذة ومثل هذه الممارسات الشيطانية بهدف الوصول إلى قوى نفسية، فهو أمرٌ لا يحتاج إلى مزيد من الإيضاح والشرح.

الولاية والإمامة

كان عبد القادر الجيلاني يرى «الولاية» أسمى مراتب السير والسلوك العرفاني، وكان يعتقد بوجود «وليّ كامل» واحد في كل عصر، يخضع جميع الناس لولايته وهدايته.[31]

وقد نسب إلى الولي الكامل صفاتٍ مثل العلم بالغيب والعصمة والسیطرة على ذرّات العالم، وكان يصف نفسه بأنه ليس مجرد «قطب»، بل «قطب الأقطاب»، وأن «قدمه على رقاب جميع الأولياء».[32] وقد أصبح هذا التعبير، في الأدبيات الصوفية اللاحقة، أحد المرتكزات النظرية لفكرة «الولاية المطلقة للقطب.

واستنادًا إلى هذا التصوّر، اعتبر كثير من الصوفية ولاية عبد القادر ولايةً أصيلة، وعدّوا ولاية سائر الأقطاب بمثابة نيابةٍ عنه.[33] ووفقًا لقول الجيلاني، فإن العلاقة بين «الشيخ والمريد» قائمة منذ عصر آدم إلى يوم القيامة،[34] وأن النجاة لا تتحقق إلا من خلال الإخلاص للمرشد والانقياد له.[35]

بل إنه كان يرى وجوب طاعة المرشد حتى عند مشاهدة سلوكٍ يبدو، في ظاهره، مخالفًا للشريعة،[36]وكان يعد مريديه بأنهم، بقبول ولايته، سيدخلون الجنة بغير حساب.[37] كما كان يعتقد أن فيضه يمتد إلى سبعة أجيال من أتباعه، وأنه قادر على ستر قبائحهم في مشارق الأرض ومغاربها.[38]

ومن الواضح أن رؤساء الصوفية قد نسبوا إلى أنفسهم عمليًا مقاماتٍ يعتقد الشيعة الإمامية أنها من خصائص الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وسعوا بذلك إلى الاستحواذ على مكانتهم.

 الجبر

يميل الجيلاني، في مباحثه اللاهوتية، إلى عقيدة الجبر بشکل واضح.[39] فاستنادًا إلى نظرية «الكسب» في المدرسة الأشعرية، كان يرى أن الفاعلية الحقيقية منحصرة في الله تعالى، وأن إرادة الإنسان ليست إلا أداةً لتحقيق القضاء والقدر الإلهيين.[40]

وانطلاقًا من هذا الأساس، اعتبر إبليس، في امتناعه عن تنفيذ الأمر الإلهي بالسجود لآدم، «مضطرًّا ومعذورًا»، وکغیره من بعض المتصوّفة، یتبنّی النظرة التی تمیل إلی تقدیس إبلیس.[41]

وفي الإطار نفسه، كان يرى أن الدعاء والابتهال لا تأثير لهما في تغيير المقدّرات، ليصل بذلك إلى نوعٍ من «الجبرية المطلقة» التي تتعارض مع مبدأ المسؤولية الأخلاقية للإنسان.[42]

الشريعة والطريقة والمعرفة

يميّز الجيلاني بين ثلاثة مستويات من المعرفة الدينية: الشريعة (الظاهر)، والطريقة (باطن الشريعة)، والمعرفة (باطن الطريقة).[43] ومن وجهة نظره، فإن العلوم الظاهرية مخصّصة لعامة الناس، أما أهل الحقيقة فعليهم النفاذ إلى بواطنها. وانطلاقًا من هذا الأساس، يعتبر الجيلاني العبادة بعد الوصول إلى الحقيقة نوعًا من «الشرك»؛[44]لأنه يرى أن العارف، بعد بلوغه مقام الفناء، لا يعود مكلَّفًا بالأحكام، وأن جميع أفعاله تُنسب إلى الفعل الإلهي.

ويرسم هذا التصور علاقةً وثيقة بين العرفان القائم على «وحدة الشهود» والنزعة الإباحيّة في التصوف، وهي علاقة تظهر  في المؤلفات اللاحقة لأتباع الطريقة القادرية بشکل واضح.

الشطحات والطامات

تتضمن مؤلفات عبد القادر الجيلاني عباراتٍ صوفية شطحية كثيرة، يرى فيها الكاتب مظاهر من مدح الذات والغلوّ العرفاني.[45] فقد وصف نفسه بأنه «شيخ ومقتدى الجن والإنس والملائكة»،[46] كما اعتبر نفسه «نائب رسول الله (صلى الله عليه وآله)»، مدّعيًا أنه سلك في جميع المقامات الطريق الذي سلكه النبي.[47]

ويدّعي الجيلاني أن من يتوسل به تُقضى حاجته، بل إن الأنبياء أنفسهم، يتوسلون به عند وقوعهم في الشدائد.[48] كما وصف نفسه بأنه «مكمّل أعمال الخلائق» و«مالك الجنة»، وأن الناس بمنزلة رعاياه.[49]

وتنقل المصادر الصوفية عنه عددًا من الرياضات والكرامات المبالغ فيها، ومنها أنه لم يكن يرضع من أمه في أيام شهر رمضان،[50] وأنه كان يؤدي صلاة الصبح بوضوء صلاة العشاء مدة أربعين عامًا، أو أنه كان يحيي الموتى.[51]

ولاتبدو مثل هذه الروايات مستندات تاریخیة بقدر ما تمثّل انعکاسا لثقافة نسج الأساطیر في التصوف خلال العصور الوسطی، حیث کانت الکرامات تحلّ محلّ العلم والعقلانیة.

الذكر الجهري والسماع

كان الجيلاني يولي «الذكر الجهري» ــ أي الذكر بصوتٍ مرتفع وبحماس ــ أهميةً خاصة، ويفضّله على الذكر الخفي.[52] وكان يؤكد أن المريد لا يحق له أن يذكر الله من تلقاء نفسه بأي صيغةٍ شاء، بل ينبغي أن يتم الذكر بتلقين الشيخ. بل كان يرى أن الدخول في الإسلام والإقرار بالتوحيد مشروطان أيضًا بتلقين المرشد الذكر باطنيًا.[53]

كما أفرد الجيلاني في كتاب الغُنية فصلًا مستقلًا بعنوان «آداب الفقراء في السماع»، واعتبر السماع، أو الرقص الصوفي، وسيلةً لـ«تجلّي الأحوال الروحية».[54] وقد تحوّلت هذه النزعة، إلى سمةٍ مميزة في الطرق الصوفية المتأخرة.

المبالغة ونسج الأساطیر حول الكرامات

أُحيطت حياة الجيلاني وشخصيته بهالةٍ من الكرامات والأساطير المبالغ فيها والغلوّ في الروايات المنسوبة إليه.[55] وكما أُشير سابقًا، فإن كثيرًا من هذه الروايات يتضمن أمورًا لم تُنقل حتى عن الأنبياء. وقد أشار خوانساري إلى هذه النقطة في كتابه روضات الجنات، واعتبر الكرامات المنسوبة إليه «متجاوزةً لحدود العقل والنقل».[56]

من أشهر هذه الروايات: –

  • الامتناع عن شرب حليب أمه في أيام شهر رمضان منذ ولادته.[57] –
  • الطيران أثناء إلقاء الخطبة فوق المنبر.[58] –
  • الرواية شديدة الغلوّ التي تتحدث عن مواجهته لملك الموت وإعادته أرواح الموتى.[59]

ويرى الباحثون في تاريخ التصوف أن هذه الروايات لا تمثل دليلًا على مقامٍ روحي، بقدر ما تعكس ثقافة اختلاق الكرامات والمبالغة المفرطة في إضفاء القداسة على الشخصيات في البيئة الصوفية.

إعذار معاوية وعائشة

يعدّ الجيلاني في كتاب الغُنية مبدأ «عدالة الصحابة» أحد الأصول العقدية في الإسلام، ويرى أن جميع الصحابة، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، عادلون محترمون، ولا ينبغي توجيه النقد إليهم. كما يذكر معاوية إلى جانب الخلفاء الراشدين، ویذکر اسمه بعبارة «رضي الله عنه.[60]

وفي تفسيره للخلاف الذي وقع بين معاوية وأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، يقول الجيلاني إن ما حدث كان نتيجة «اجتهاد شخصي» منهما، وأن الآخرين ليس لهم حقّ الحكم عليهما. ويعكس هذا الموقف بصورة واضحة نظرية أهل السنة في مسألة عدالة الصحابة، ويتعارض بشكل صريح مع المباني الشيعية في تقييم الصحابة من الناحیّ التاریخیة.

روایة رضاع عبد القادر الجيلاني من عائشة

تَرِد في بعض النصوص المنسوبة إلى عبد القادر الجيلاني رؤيا يُنسب إليه أنه رأى فيها نفسه في حجر عائشة، وهو يرضع من ثديها.[61]

وفي الواقع، ينبغي تفسير مثل هذه الرواية في إطار الأدبيات الرمزية والذوقية للتصوف، بحيث يمكن النظر إلى الرضاع من عائشة بوصفه رمزًا للاستمداد من المنبع الأول للتراث الإسلامي. ومع ذلك، فإن هذه الرواية تثير، من المنظور العقلي والشرعي، إشكالاتٍ واضحة، ولا يمكن تقييمها إلا في إطار الشطحات والخيالات الصوفية. فمثل هذه الروايات لا تبدو حاملةً لمعانٍ معرفية بقدر ما تعكس نزعاتٍ مبالغًا فيها في تفسير علاقة الأولياء بالتراث النبوي.

موقفه من هداية أبي طالب (عليه السلام)

يقدّم الجيلاني، في تفسيره للآية الكريمة: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾[62]، رؤيةً تتوافق مع مذهب أهل السنة. فهو يزعم أن النبي (صلى الله عليه وآله) سعى إلى هداية عمه أبي طالب، لكنه لم يوفَّق في ذلك، في حين نال وحشي ــ قاتل حمزة ــ الهداية![63]

ويتعارض هذا التفسير بصورةٍ واضحة مع المباني العقدية للإمامية؛ إذ يُعدّ إيمان أبي طالب من المسلّمات التاريخية في المصادر الشيعية المعتبرة، ويُقدَّم فيها بوصفه من المؤمنين الصادقين وأحد أبرز أنصار النبي وحُماته.

وبناءً على ذلك، فإن موقف الجيلاني من أبي طالب (عليه السلام) يعكس، في الواقع، مباني أهل السنة بصورة مباشرة، ولا ينسجم مع الشواهد الروائية والتاريخية التي تؤكدها الإمامية.

خاتمة

من منظور علم الكلام الإمامي، يمثّل النظام الفكري لعبد القادر الجيلاني نموذجًا بارزًا للخلط بين التصوف الذوقي، والأشعرية ذات النزعة الجبرية، والتقاليد السياسية التي تمنح الشرعية للخلافة التي يُنظر إليها، وفق الرؤية الإمامية، بوصفها مغتصبة؛ وهو نظام تنتقل فيه مرجعية المعرفة والهداية من مقام الإمام المعصوم إلى «الشيخ الصوفي»، وبذلك يتعرّض مفهوم الولاية الإلهية لتحريفٍ جوهري. وقد سلك الجيلاني، من خلال ادعاءات غالية، كادعائه «قطب الأقطاب» ووصف نفسه بـ«نائب الرسول»، ونسبته علم الغيب والسلطة على ذرّات العالم إلى نفسه، مسارًا يُفهم منه، في هذا الإطار، السعي إلى اغتصاب مقام الإمامة المعصومة. ولا يقتصر أثر هذا النظام الفكري على الجانب النظري، بما ينطوي عليه ــ وفق هذا المنظور ــ من انحراف عن مبادئ التوحيد والنبوة والإمامة، بل يمتد إلى الجانب العملي أيضًا، إذ يؤدي إلى تجميد العقل الديني وإخضاع المريدين خضوعًا أعمى للمرشد. كما أن اعتماده على الجبر الأشعري يجرّد الإنسان، بحسب هذا النقد، من مسؤوليته الأخلاقية وفاعليته الإرادية، فضلًا عن إعذاره لمعاوية وعائشة، ونسبته الكفر إلى أبي طالب (عليه السلام)، الأمر الذي يجعله، عمليًا، في خدمة ترسيخ القراءة الأموية لتاريخ الإسلام.

ترجمة: م.شیری( أم محمد)


[1] السمعاني، عبد الكريم، الأنساب، ج 2، ص 145

[2] زرين كوب، عبد الحسين، ارزش میراث صوفیه(قيمة تراث الصوفية)، ص 112

[3] المدرّس التبريزي، محمد علي، ريحانة الأدب، ج 3، ص 494

[4] خوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، ج 5، ص 85؛ المدرّسي چهاردهی، نور الدين، سلسله های صوفیه ایران (السلاسل الصوفية في إيران)، ص 115

[5] ابن شاكر، فوات الوفيات، ج 2، ص 4؛ ابن الوردي، تاريخ ابن الوردي، ج 2، ص 107؛ الزركلي، الأعلام، ج 4، ص 47

[6] ابن شاكر، محمد، فوات الوفيات، ج 2، ص 273

[7] الجيلاني، عبد القادر، سر الأسرار، مقدمة كتاب السيف الرباني، أحمد فريد المزيدي، (1428هـ)، ص 422؛ المحلاتي، ذبيح الله، السيوف البارقة، ص 72؛ ابن عنبة، جمال الدين أحمد، الفصول الفخرية، ص 117؛ ابن طقطقي، محمد بن علي، الأصيلي في أنساب الطالبيين، ص 95-96

[8] الشطنوفي، أبو الحسن علي بن يوسف، بهجة الأسرار، ص 106؛ سيدين، علي، پشمینه‌پوشان، ص 251

[9] الجامي، نفحات الأنس، ص 510

[10] معصوم علي شاه، طرائق الحقائق، ج 2، ص 365

[11] عبد الرحمن الجامي، نفحات الأنس، ص 588: «جلستُ إحدى عشرة سنةً في برج، وعاهدتُ الله تعالى ألّا آكل حتى يُطعِموني، ولا أتناول لقمةً حتى يضعوها في فمي، ولا أشرب حتى يُسقوني. ومكثتُ مرةً أربعين يومًا لم آكل فيها شيئًا. ثم جاء شخص بعد الأربعين يومًا، فأحضر طعامًا ووضعه ثم انصرف. وكادت نفسي أن تهوي على الطعام من شدة الجوع».

[12] الحموي، ياقوت، معجم الأدباء، ص 230

[13] الحسيني الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، ج 6، ص 83؛ الجيلاني، سر الأسرار، مقدمة كتاب السيف الرباني، أحمد فريد المزيدي، ص 422؛ صافي، بهار الأدب، ص 57

[14] ابن عربي، ترجمة الرسالة الغوثية، ص 10-11

[15] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 20، ص 439-441؛ التادفي، قلائد الجواهر، ص 9 و66؛ الندوي، أبو الحسن، رجال الفكر والدعوة في الإسلام، ج 1، ص 298

[16] خوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، ج 5، ص 85

[17] الشعراني، عبد الوهاب، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 228

[18] الجيلاني، عبد القادر، الفتح الرباني، ص 277

[19] ابن تيمية، أحمد، الفتاوى، ج 10، ص 455

[20] زرين كوب، عبد الحسين، جستجو در تصوف ایران(البحث في التصوف الإيراني)، ص 357

[21] قنبري، صباح، بررسی مقایسه ای سیاست دولت ایران وعثمانی نسبت به طریقت قادریه( دراسة مقارنة لسياسة الدولة الإيرانية والدولة العثمانية تجاه الطريقة القادرية)، ص 12

[22] الجيلاني، عبد القادر، الغُنية، ص 46، نقلًا عن المحلاتي، ذبيح الله، السيوف البارقة، ص 88، والقمي، عباس، سفينة البحار، ج 6، ص 270

[23] الجيلاني، عبد القادر، الفتح الرباني، ص 412

[24] الجيلاني، عبد القادر، جلاء الخاطر، ص 95؛ جوادي تالشي، (نيما) رفعت، فیوضات رحمانی(الألطاف الرحمانية)، ص 110

[25] تأدّفي الحنبلي، محمد، قلائد الجواهر، ص 49

[26] الجيلاني، عبد القادر، الفتح الرباني، ص 143

[27] الجيلاني، عبد القادر، الفتح الرباني، ص 124

[28] الجيلاني، عبد القادر، الرسائل، رسالة حلاج نامه، ص 52

[29] الجيلاني، عبد القادر، فتوح الغيب، ص 64-69

[30] الجيلاني، عبد القادر، الرسائل: رسالة في الأسماء العظيمة للطريق إلى الله، (1393هـ ش)، ص 50

[31] الجيلاني، عبد القادر، جلاء الخاطر، ص 19: «إن مراعاة آداب الطريقة واحترام الشيخ العارف ومرشد الطريقة لازمٌ وفريضةٌ حتميةٌ على المريد، كوجوب التوبة على كل شخصٍ مذنب؛ لأن مرشده أقرب الناس إلى الله تعالى». وفي حديثه عن رؤية الولي لحقائق العالم، يقول: «أُعطي العارف القريب من الله نورًا يرى به قربه من الله، ويرى الحق تعالى في قلبه، وببركته يرى أرواح الملائكة وأرواح الأنبياء وقلوب الصدّيقين وأرواحهم وأحوالهم ومقاماتهم، وهو واسطةٌ ينتفع بهذه البركة ويفيض منها على الخلق أيضًا». الجيلاني، عبد القادر، جلاء الخاطر، ص 142

[32] زيدان، يوسف محمد طه، ديوان عبد القادر الجيلاني، باز الله الأشهب، ص 98 و102

[33] اليافعي اليمني، عبد الله، خلاصة المفاخر، ص 44

[34] الجيلاني، عبد القادر، الغُنية، ج 2، ص 280

[35] الجيلاني، عبد القادر، الفتح الرباني، ص 151

[36] الجيلاني، عبد القادر، الغُنية، ج 2، ص 275-285

[37] الجيلاني، عبد القادر، سر الأسرار، ص 143

[38] التادفي الحنبلي، محمد، قلائد الجواهر في مناقب شيخ عبد القادر، ص 207

[39] الجيلاني، عبد القادر، الغُنية، ج 1، ص 65

[40] الجيلاني، عبد القادر، الغُنية، ج 1، ص 64

[41] الجيلاني، عبد القادر، فتوح الغيب، ص 139

[42] الجيلاني، عبد القادر، الفتح الرباني، ص 132

[43] الجيلاني، عبد القادر، سر الأسرار، ص 445

[44] داراشكوه، محمد، حسنات العارفين، ص 33؛ الجيلاني، عبد القادر، سر الأسرار، ص 446

[45] مطهري، مرتضى، العرفان (مجموعة آثار الشهيد مطهري): التعرف إلى كليات العلوم الإسلامية، ص 57

[46] اليافعي، عبد الله، خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر، ص 228

[47] خوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، ج 5، ص 87

[48] التادفي الحنبلي، محمد، قلائد الجواهر في مناقب شيخ عبد القادر، ص 237؛ الجيلاني، عبد القادر، سر الأسرار، ص 496

[49] الجيلاني، عبد القادر، الفتح الرباني، ص 310؛ جوادي تالشي، (نيما) رفعت، فیوضات رحمانی (الالطاف الرحمانية)، ص 84؛ الجيلاني، عبد القادر، فتوح الغيب (سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار)، ص 171

[50] الجامي، عبد الرحمن، نفحات الأنس، ص 587

[51] سیدین، علی، پشمینه پوشان، ص251؛ شهابی سعدی قادری، محمدصادق، مناقب غوثیه، منقبت 16، برگ شماره 177؛ إربلی قادری، عبدالقادر، تفریح الخاطر فی مناقب تاج الاولیا و برهان الاصفیا الشیخ عبدالقادر الجیلانی، ص۱۷

[52] گیلانی، عبدالقادر، سرالاسرار، الفصل الثامن، ص۸۳

[53] گیلانی، عبدالقادر، وصایا و مکتوبات، ص۷۴

[54] گیلانی، عبدالقادر، الغنیهُ لِطالبی طریقُ الحق، المترجم: زاهد ویسی، ص۱۱۷۸

[55] زرین‌کوب، عبدالحسین، جستجو در تصوف ایران، ص160

[56] «نسبوا الیه خوارق عادات عجیبات لا تنسبها عوض الی احمد من الانبیا الارکان» خوانساری، محمد باقر، روضات الجنات، ج5، ص85

[57] جامی، عبدالرحمن، نفحات الأنس، ص587

[58] یافعی، عبدالله، خلاصه المفاخر فی مناقب الشیخ عبدالقادر، ص226

[59] شهابی سعدی قادری، محمد صادق، مناقب غوثیه، منقبت 16، الورق رقم 177؛ إربلی قادری، عبدالقادر، تفریح الخاطر فی مناقب تاج الاولیا و برهان الاصفیا الشیخ عبدالقادر الجیلانی، ص17

[60] گیلانی، الغنية لطالبي طريق الحق، ص203

[61] اتحاف الاکابر فی سیرة و مناقب الامام محیی الدین عبدالقادر ص ۱۱۶

[62] قصص: 56

[63] قال الله عز وجل: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) [سورة القصص، الآية : ٥٦] . سأل النبي هداية عمه أبي طالب، فأبى أن يهدي وهدى وحشياً قاتل حمزة رضي الله عنهما، كأنه عزّ وجل يقول لنبيه عليه السلام يا محمد عليك الدعوة كما قال. عز وجل: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك [سورة المائدة: الآية ٦٧]، وقال تعالى : إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً [سورة الأحزاب : الآية ٤٥]، ولك الشفاعة، وأما الإجابة والهداية ،فإلي قال الله عزّ وجلّ : ويهدي الله لنوره من يشاء) [سورة النور : الآية ٣٥] قوله تعالى : ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها .الجیلانی، الغنية، ج2، ص287-288

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button