استفتائات

العَلّامةُ المجلسي وحِفظُ الشیعة من إسلامِ ابنِ عربي والاسلام الصدرائي – آيةُ اللهِ صافي کلبايکاني

نُشر في الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني مقالٌ بعنوان: «دور المحدّثین في إنقاذ الناس في عصر الغيبة الكبرى»، وذلك ضمن شرح الحديث الأوّل من الفصل الأوّل من كتاب «حديث خوبان». وفي هذا المقطع من الكتاب، يؤكّد سماحته المكانة السامية التي يحتلّها العلاّمة المجلسي (رحمه الله) في إحياء علوم أهل البيت (عليهم السلام) ومعارفهم، ويرى أنّ صيانة المذهب الشيعي من التصوّف، ومن الإسلام الصدرائي، ومن المدرسة المنسوبة إلى ابن عربي، إنّما كانت ثمرةً لجهود ذلك العالم الجليل ومساعيه المباركة.

وفيما يلي نصّ كلامه بالتفصيل:

«بعد عصر الأئمّة (عليهم السلام)، ظلّ حملةُ الحديث على مرّ العصور هم الذين يمتلكون القدرة على التمييز بين الصحيح والسقيم، وبين السنّة والبدعة، وينقذون الناس من الضلالات التي كانت تنشأ بسبب التوغّل في الفلسفة، والميل إلى العرفان المصطلح، والانجذاب إلى المذاهب الإلحاديّة. واستمرّ الحال على ذلك إلى العصور المتأخّرة، ولا سيّما في العصر الصفوي، حيث أُعيد الاعتراف الرسميّ بالمذهب الشيعي. غير أنّ عوامل خاصّة ظهرت بعد عهد السلطان الشاه طهماسب الأوّل، أدّت تدريجياً إلى تنامي النزعة الفلسفيّة، وتقوّي الأفكار الصوفيّة، وسائر المشارب غير الشرعيّة، حتى بلغ الأمر أنّ الخوانق انتشرت في إصفهان، وصار يُطلق على العالم الجليل آقا حسين الخوانساري، بدلاً من ألقابه الإسلاميّة، لقب «العقل الحادي عشر». وأقصى ما بلغ إليه إظهار علوم أهل البيت (عليهم السلام) آنذاك أنّ المحقّق الداماد كان يطرحها في قوالب المصطلحات الفلسفيّة. وخلاصة الأمر أنّ لغة أهل البيت (عليهم السلام) وأحاديثهم أصبحت غريبةً بين الناس.

ثمّ شاء الله تعالى أن يظهر شخصيّةٌ كالعلاّمة المجلسي (رحمه الله)، فأحيا الحديث من جديد، وأعاده إلى الساحة العلميّة بقوّة، حتى إنّ أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لم تعد موضع عناية العلماء في المدارس العلميّة فحسب، بل ربما لم يبق بيتٌ في بلاد إيران ينتفع بقراءة الكتب إلا وقد دخلته أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) بصورةٍ من الصور وتحت عنوانٍ من العناوين. كما أُغلقت جميع الخوانق في إصفهان، واضمحلّت الأفكار الصوفيّة، وأصبحت لغة الحديث، والاستدلال بظواهر القرآن الكريم والأحاديث، ولسان الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، هي اللغة السائدة بين العلماء وفي الحوزات العلميّة.

ولا ريب أنّه ينبغي القول إنّ ظهور العلاّمة المجلسي في ذلك العصر كان سبباً في عودة التشيّع إلى منهج عصر الأئمّة (عليهم السلام) وأصحابهم، أمثال زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وأصحاب الأصول.

ولا أريد أن أقول إنّ العصر الذي سبقه ما کان یشبه تماماً لعصر الأئمّة (عليهم السلام)، كما لا أستطيع أن أزعم أنّه كان على نهجهم؛ إذ كانت المصطلحات والألفاظ الإسلاميّة قد تبدّلت إلى حدٍّ ما، ولم تكن الدروس والتأليفات والتصانيف تدور ـ كما ينبغي ـ حول محور الكتاب والسنّة وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام).

ومهما يكن من أمر، فإنّ الظاهر أنّه لو لم يظهر المجلسي (رحمه الله)، واستمرّت الحوزات العلميّة في مسارها آنذاك، لترسّخت الشريعة الأرسطيّة، والإسلام السينوي، والإسلام الصدرائي، وإسلام ابن عربي، والله وحده يعلم إلى أيّ مدى كان یتّسع باب تأويل الآيات والأحاديث، وتوجيهها، وحملها بتكلّف على معانٍ مخصوصة!

لقد كان العلاّمة المجلسي هو الذي أعاد الحوزات العلميّة إلى المعارف الأصيلة للدين والتشيّع، وجعل القرآن الكريم والسنّة فوق جميع المذاهب والمدارس الفكريّة.

شکر الله سعیه وجزاه الله عن هذا الدین والکتاب والسنة خیر جزاء المحسنین.»

وينبغي الحذر الشديد من خطر تراجع محوريّة الكتاب والسنّة في الحوزات العلميّة الشيعيّة. فنحن نعتقد أنّ كلّ ما يحتاج إلى بيانه في مسائل العقيدة، وما وراء الطبيعة، وعالم المادّة، قد بُيّن في الكتاب والسنّة، ولسنا بحاجة إلى استجداء المعارف من أبواب المدارس الفكريّة الأخرى؛ بل إنّ الكتاب والسنّة وحدهما كافيان في هداية الناس جميعاً، ودعوتهم إلى الحقائق وعالم الغيب؛ كما أنّ العلم الصحيح لا يُنال إلا من طريق أهل بيت الوحي والرسالة، فقد قال الإمام الباقر (عليه السلام) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة:«شَرِّقا وَغَرِّبا، لَن تَجِدا عِلماً صَحيحاً إلّا شَيئاً يَخرُجُ مِن عِندِنا أهلَ البَيتِ».

فالعلم كلّه عندهم، ونحن وسائر الأمّة، بل جميع الناس، مكلّفون بالرجوع إليهم. أمّا الرجوع إلى غيرهم في المسائل الإلهيّة، سواء كانوا من الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم ومسالكهم، أم من مدّعي الإشراق والشهود والعرفان الذين يزعمون تحصيل المعرفة بهذا الطريق، فإنّه كلّه طريق غير مأمون العاقبة، ينطوي على الضلال ومخاطر جسيمة.

وفي مسائل العقيدة وما يتعلّق بعالم الغيب، فإنّ فصل الخطاب إنّما هو الكتاب والحديث المعتبر، وليس أحد مكلّفاً بالخوض فيما وراء ما بيّنه القرآن الكريم والأحاديث الشريفة؛ فإنّ ذلك لا يفضي إلى يقينٍ مأمون، ولا يعود بالنفع في السير إلى الله تعالى.

وكما قال الشاعر:

ما لم ينهض به الشرعُ علماً

فإنّي أمحو ذلك الحرفَ بالقلم.

وعليه، ينبغي أن يكون مدارنا في المعارف العقديّة، والبرامج الأخلاقيّة، والأنظمة الحياتيّة، الفرديّة والاجتماعيّة، هو الكتاب والحديث وحدهما.

المصدر: كتاب «الحوزات العلميّة؛ الواجبات والمحظورات»، لسماحة المرجع الديني الكبير آية الله الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني (رحمه الله).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button