حوار مع سماحة آية الله العلّامة السيّد جعفر مرتضى العاملي حول مذهب ابن عربي
ما هو مذهب ابن عربي؟ هل كان ابن عربي شيعيًّا أم سنّيًّا؟
حوار «سِمات» مع العلّامة السيّد جعفر مرتضى العاملي

محاور الحوار:
*مذهب ابن عربي
*المكاشفات عند ابن عربي
* الاستضعاف الفكري لابن عربي
*النزعة الصلحية الشاملة (الصلح الكلّي) والنزعة التعدّدية عند ابن عربي
* ابن عربي عارفٌ يمجّد ذاته
*مدى لزوم الرجوع إلى تراث ابن عربي أو عدم لزومه
آيةُ الله العلّامة السيّد جعفر مرتضى العاملي يُعدّ من أبرز الباحثين والكتّاب الشيعة المعاصرين. وُلد سنة 1364هـ ق في منطقة جبل عامل جنوب لبنان. ثم توجّه إلى النجف الأشرف لمتابعة دراسته في العلوم الدينيّة عام 1382هـ ق ، بعد ستّ سنوات إنتقل إلى الحوزة العلميّة في قم، حيث واصل نشاطه العلمي لأكثر من عشرين عاماً في مجالات التحصيل والتدريس والبحث.
أصدر العلّامة السيّد جعفر مرتضى خلال مسيرته العلميّة أكثر من ثلاثين مؤلَّفاً، ويُعدّ كتابه الشهير «الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)» من أهمّ أعماله العلميّة وأبرزها.
وتحظى مؤلّفاته بمكانة رفيعة في مجال الدفاع عن الفكر الشيعي وصیانة معارف القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، فضلاً عن دورها البارز في التنقية وتصحيح الرؤى المرتبطة بتاريخ الإسلام وأحداثه. وتمتاز كتاباته بالمنهجيّة العلميّة الرصينة، وسعة التتبّع، ودقّة التحليل، وكشف مظاهر التحريف والتزوير، وإبراز الحقائق التاريخيّة، ما جعلها مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمّين بالتاريخ والفكر الإسلامي.
إشارة
يُعَدّ آيةُ الله السيّد جعفر مرتضى العاملي أحدَ أبرز العلماء والمحقّقين في لبنان، وصاحبَ عشرات المؤلَّفات والدراسات في القضايا الدينيّة، من بينها كتابٌ عنوانه «ابن عربي، سنّيٌّ متعصّب.» وفي حوارٍ أجرته مجلّة «سِمات» معه في مدينة بيروت داخل مكتبه الخاص، أجاب سماحته عن أسئلتنا المتعلّقة بمذهب ابن عربي، وحقيقة كونه شيعيًّا أم سنّيًّا. وعلى الرغم من أنّ مؤلَّفات ابن عربي تزخر بإشاراتٍ واضحة تدلّ على انتمائه إلى المذهب السنّي، بل وتكشف عن مواقف عدائيّة تجاه التشيّع، فإنّ بعض الجهات لا تزال تُصرّ على تقديمه بوصفه شخصيّةً شيعيّة، في محاولةٍ للتقليل من حجم الانتقادات الواسعة الموجَّهة إليه، وإيجاد مسوّغاتٍ لتبرير آرائه ومعتقداته المخالفة للقرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام).
وكانت مجلّة «سِمات» قد نشرت في عددها الأوّل فصلًا مترجَمًا من كتابه، تحت عنوان «دراسة في مذهب ابن عربي.»
سِمات: لقد أجرَيت سماحتك بحوثًا ودراساتٍ حول المسلك الفكري والعقائدي لابن عربي، كما أصدرت كتابًا في هذا المجال. ونظرًا لوجود خلافاتٍ واسعة بشأن مذهبه، وعلى الرغم من شهرته وما هو معروف من دلائل واضحة على انتمائه إلى المذهب السنّي، فإنّ هناك من يُصرّ على تقديمه بوصفه شخصيّةً شيعيّة. فما هو رأيك في هذه المسألة؟
□ بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين. يُعرَف مذهبُ أيّ شخصٍ من خلال إحدى الطرق الأربعة الآتية:
۱. أن يُصرّح الشخصُ بنفسه بانتمائه المذهبي.
۲. أن يَردَ خبرٌ عن معصومٍ (عليه السلام) يبيّن مذهبه.
۳. أن يُدلي المقرّبون منه، العارفون بأحواله وخصوصيّاته وعقائده، برأيهم في مذهبه.
۴. تحديد المذهب استنادًا إلى ما ورد في مؤلَّفات الشخص وآثاره من معتقداتٍ وأفكارٍ وقناعاتٍ وانتماءاتٍ قلبيّة، إضافةً إلى الأحكام التي يلتزم بها عمليًّا، بشرط ألّا يُوجَد في تلك الآثار ما يدلّ على تراجعه عن تلك المعتقدات أو اعتراضه عليها.
وبناءً على ذلك، فإذا كانت هذه الآثار منسجمةً مع عقائد ومنهج وفقه الشيعة، عُدَّ صاحبها شيعيًّا، وإذا كانت منسجمةً مع معتقدات أهل السنّة عُدَّ سنّيًّا، وإذا انسجمت – على سبيل المثال – مع فكر الخوارج عُدَّ خارجيًّا، وهكذا.
وفيما يتعلّق بابن عربي، فإنّ الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحديد مذهبه هي الطريقة الرابعة؛ إذ – حسبما نعلم – لم يُصرّح هو بنفسه بمذهبه، ولم يقل إنّه شيعيّ أو غير شيعي، كما أنّه لم يَرِد عن معصومٍ (عليه السلام) أيّ حديثٍ يبيّن مذهبه، ولم نطّلع كذلك على أقوالٍ صادرة عن مقرّبين منه أو عن أشخاصٍ كانوا على معرفةٍ دقيقةٍ بأحواله وعقائده يحدّدون فيها مذهبه. وعليه، فلا سبيل أمامنا سوى الرجوع إلى آثاره وكتبه وأفكاره ومعتقداته الفقهيّة والكلاميّة والتفسيريّة لتمییز مذهبه.
وقد قمتُ بدراسةٍ متعمّقةٍ لمؤلّفاته وآثاره، فعثرتُ على شواهدَ كثيرةٍ جدًّا، بل بالعشرات وربّما بالمئات، تدلّ بوضوحٍ على أنّه لم يكن شيعيًّا. كما وجدتُ في آثاره نماذجَ من الشطحات والأخطاء الصريحة التي لا سبيل إلى تأويلها أو تبريرها، إلّا بتجاوز حدود التأويل المقبول والمعقول، مع أنّه لا توجد أيّ ضرورةٍ تدعونا إلى ذلك؛ إذ إنّ ابن عربي ليس نبيًّا، ولا إمامًا معصومًا، ولا تمثّل آراؤه أو مذهبه الفقهي موضع ابتلاءٍ لنا كي نضطرّ إلى تكلّف هذه التأويلات لتبرير أخطائه وزلّاته.
إضافةً إلى ذلك، فإنّ إثبات تشيّعه يترتّب عليه تحميلُنا – وتحميلُ المذهب الشيعي – وزرَ أخطائه وانحرافاته. أمّا إصرارُ بعضهم على إثبات تشيّعه، فقد يعود – على الأرجح – إلى أحد السببين الآتيين:
۱. وجود بعض الكلمات والعبارات في كلام ابن عربي حول أهل البيت (عليهم السلام)، من قبيل ما كتبه في تفسير آية التطهير ونحوها.
۲. اطّلاعهم على بعض آرائه في مجال العرفان والتصوّف، ممّا أثار دهشتهم، فظنّوا أنّه استقى هذه المعارف من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك أصرّوا على اعتباره شيعيًّا ومن أتباعهم؛ غير أنّه ينبغي أن أقول في هذا السياق:
أوّلًا: إنّ هؤلاء لم ينظروا إلّا إلى نصف الكأس فقط. ولو اطّلعوا على النصف الآخر، لواجهوا عباراتٍ مضطربةً ومشوَّشة لا تليق بأيّ صاحب فضلٍ أو مقامٍ علمي، بل إنّ بعضها قد انحدر إلى درجةٍ لا يمكن تصنيفه فيها إلّا ضمن دائرة الخطأ والخلط والانحراف. كما أنّ بعض ما أثار إعجابهم – ككلامه في ذيل آية التطهير – ينطوي في الحقيقة على هدمٍ وإنكارٍ لمفاد الآية الحقيقي، وتكذيبٍ لحديث الكساء الوارد في شأنها.
ثانيًا: إنّ العرفان علمٌ يمكن لأيّ شخصٍ أن يخوض فيه، والوصول إلى الدقائق والحقائق العرفانيّة – من حيث كونه علمًا – لا يختصّ بالشيعة دون غيرهم؛ فقد يدخل غير الشيعة في هذا المجال ويتخصّصون فيه. ولا سيّما أنّنا نعلم أنّ علوم أهل البيت (عليهم السلام) ومعارفهم متاحةٌ ومبذولةٌ للجميع، من شيعةٍ وسنّةٍ ومؤمنين وغير مؤمنين؛بل إنّ الجميع، شيعةً وسنّةً، بل وغير المسلمين أيضًا، يعترفون بأنّ كلّ من يطلب العلم والحكمة والعرفان، بل وكلّ فضيلةٍ وكرامة، لا بدّ له أن يلج مدرسة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ويتعلّم من فيض معارفه وتعاليمه. وقد أسّس (عليه السلام) علومًا كثيرة، كعلم النحو – على سبيل المثال – توجّه إليها جميع المسلمين، شيعةً وسنّة، وتخصّصوا فيها. وبناءً على ذلك، فحتّى لو افترضنا أنّ ابن عربي قد أخذ بعض معارفه العرفانيّة من أهل البيت (عليهم السلام)، فلا توجد أيّ ضرورةٍ تدعونا إلى إدراجه ضمن الشيعة، ومن ثمّ تحميل أنفسنا والمذهب الشيعي أوزار شطحاته وأخطائه واضطراباته الفكريّة.
سِمات: العديد من القضايا التي يطرحها ابن عربي تقترن بادّعاء المكاشفة. فهل كان ابن عربي صادقًا في مكاشفاته؟ وما هو الموقف الديني أساسًا من مسألة المكاشفة؟
□ إنّ المكاشفات التي يتحدّث عنها ابن عربي تندرج – في جوهرها – ضمن إطار تمجيد الإنسان لذاته. ولعلّ الهدف من طرح مثل هذه الادّعاءات هو ترويج أفكاره ومعتقداته، ومحاولة إغلاق باب النقد والمناقشة حولها، فضلًا عن كونها نوعًا من التهرّب أمام مطالب العلماء والمفكّرين الذين يطالبونه بتقديم الدليل على ما يدّعيه. ومهما كانت دوافع ابن عربي في طرح هذه المكاشفات، فإنّنا – استنادًا إلى المعيار القرآني: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ – مطالبون بطلب الدليل والبرهان على كلّ ما يُعرَض علينا. وكذلك يجب عرض أقوال ابن عربي وآرائه على القرآن الكريم، والسنّة النبويّة، والعقل، ليتّضح مدى صحّتها أو بطلانها. وقد أوردنا في كتابنا المعنون «ابن عربي، سنّيّ متعصّب» عشرات النماذج من أقواله التي لا شكّ في بطلانها، والتي – إن كانت تُعدّ من مكاشفاته – فلا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تُصنَّف ضمن المكاشفات الرحمانيّة.
وفي كلّ موردٍ تكون فيه مكاشفات ابن عربي مخالفةً لكتاب الله، ولسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّه يكون مطالبًا بتوضيح: مع من كانت هذه المكاشفة؟ ومن المؤكّد أنّ مثل هذه المكاشفات لا يمكن أن تكون مع الملائكة. إنّما الأنبياء والأئمّة المعصومون (عليهم السلام) وحدهم من يمكنهم الاطمئنان إلى أنّ مكاشفاتهم رحمانيّة، أمّا سائر الناس فلا يمكنهم الوصول إلى مثل هذا اليقين؛ إذ إنّ القرآن الكريم يبيّن أنّ الشيطان قد يُلقي أحيانًا ببعض الأمور في نفوس الناس.
سِمات: هناك من يحاول تبرير أخطاء ابن عربي، ومنها معتقداته المناهضة للتشيّع، من خلال اعتباره «مستضعفًا فكريًّا» في مجال معرفة التشيّع ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام). فما هو رأيكم في هذا المجال؟
□ أوّلًا: إذا كان ابن عربي يُعدّ مستضعفًا، فمن هو إذن غير المستضعف؟ وهل يمكن بعد ذلك العثور على مصداقٍ لغير المستضعف؟
ثانيًا: إنّ هذا الادّعاء مجرّد دعوى بلا دليل، ولا يمكن قبول مثل هذا الكلام من دون إقامة برهان عليه.
ثالثًا: إنّ هذا الادّعاء ينطوي في جوهره على اعترافٍ بأنّ ابن عربي لا يمتلك فكرًا نقيًّا ومنهجيًّا سليمًا، وبأنّه لا يمكن اعتباره شيعيًّا، كما لا يمكن حمل معتقداته غير الشيعيّة على التقية أو ما شابه ذلك.
رابعًا: كيف يمكن لإنسانٍ أن يكون شيعيًّا، وفي الوقت نفسه يكون مخالفًا لكامل الفقه الشيعي، ومتصادمًا مع جملةٍ واسعة من العقائد الشيعيّة، كما يظهر بوضوحٍ من جميع كتبه؟ وكيف يُعقَل أن يعتمد في أغلب – إن لم يكن في معظم – استشهاداته الحديثيّة على رواياتٍ لا تصدر عن أهل البيت (عليهم السلام)، ولا تُنقَل عن رواة شيعة؟ يضاف إلى ذلك أنّ له مخالفاتٍ صريحةً للقرآن الكريم، ولمسائل هي محلّ إجماعٍ بين المسلمين، وهي أمورٌ موثَّقة في كتبه.
خامسًا: إذا كان معيار تشيّع ابن عربي هو ما يستند إليه هؤلاء، فلماذا لا يُدَّعى تشيّع جميع علماء أهل السنّة؟ ففي كتب الكثير من علماء السنّة توجد مضامين تثير إعجاب الشيعة وتنسجم مع ذوقهم أكثر ممّا هو موجود في كتب ابن عربي.
ثمّ إنّ ما يُنسَب إلى ابن عربي من هذه المضامين يتضمّن تأويلاتٍ تُضعف العقيدة الشيعيّة وتشُوّهها، ولا يمكن أن تُعدّ دليلًا له، بل هي في الحقيقة دليلٌ عليه.
سِمات: يُوصَف ابن عربي بأنّه قائل بـ«الصلح الكلّي»، وبالتعبير المعاصر يُعَدّ تعدّديًّا (Pluralist) يرى صحّة جميع الأديان والمذاهب والفرق. فما هو الإشكال في هذا الرأي؟
□ إن كان مقصوده أنّ جميع الأديان السماويّة حقّ، بمعنى أنّ التعاليم التي جاء بها الأنبياء الإلهيّون (صلوات الله عليهم) هي من عند الله تعالى، فهذا كلامٌ صحيح ولا خلاف فيه، لا عند الشيعة ولا عند السنّة. أمّا إذا كان مراده أنّ كلّ ما يُنسَب إلى هذه الأديان – حتّى ما تعرّض منها للتحريف – هو حقّ وصحيح، فلا شكّ في بطلان هذا القول. فالقرآن الكريم يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. ومن الواضح أنّ الحقّ واحد لا يتعدّد، ولا يمكن لغيره أن يكون حقًّا. ويقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153] وكذلك الحال في ما يتعلّق بالمذاهب المختلفة؛ فعلى سبيل المثال: إمّا أن يكون حكم الوضوء مسح القدمين أو غسلهما، وإمّا أن تكون التكتّف في الصلاة صحيحة أو تكون الصلاة باليدين المرسلتين هي الصحيحة، وفي مسألة التوحيد: إمّا أن يكون التجسيم والتشبيه – كما يقول به بعض مذاهب أهل السنّة – صحيحًا، أو يكون تنزيه الله تعالى عن الجسم والمقدار هو الحقّ، وكذلك إمّا أن تكون رؤية الله تعالى ممكنة أو غير ممكنة، وإمّا أن تكون خلافة الشيخين صحيحة أو غير صحيحة. في جميع هذه الموارد، الحقّ واحد، ولا يمكن القول بصحّة المتضادّات في آنٍ واحد. نعم، قد يُحتمل أنّ مراده من القول بصحّة جميع المذاهب هو كون أتباعها معذورين بسبب الغفلة أو القصور في الفهم، إذ إنّ الله تعالى لا يعاقب القاصر؛ إلّا أنّ هذا الاحتمال بعيد؛ لأنّ العذر في ارتكاب الخطأ لا يلازم صحّة الخطأ ولا يجعله حقًّا.
سِمات: من الإشكالات التي تُؤخَذ على ابن عربي أيضًا كثرةُ ثنائه على نفسه، وذكره لمقاماتٍ يدّعيها لنفسه، كاعتباره نفسه «خاتم الأولياء». فما تعليقكم على ذلك؟
□ لا أجد جوابًا على هذا السؤال إلّا أن أقول إنّ هذا السلوك مخالفٌ لقول الله تعالى، إذ يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 49].
وقد رُوي عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) أنّه قال:«أقبحُ الصدقِ ثناءُ الرجلِ على نفسه.» ورُوي عنه (عليه السلام) أيضًا أنّه قال:«مَن مَدَحَ نفسَهُ فقد ذَبَحَها.» [1]
سِمات: هل يحتاج الشيعة أصلاً الی الرجوع إلى أمثال ابن عربي للوصول إلى المعارف العرفانية؟ وإن لا، إلى أين يجب التوجّه للحصول على هذه المعارف؟
□ کتبت في مقدمة كتابي المعنون «ابن عربي، سنّي متعصّب»أنّ التدقيق في المعارف الصوفية التي أوردها ابن عربي في مؤلفاته، ومقارنتها بما كتب علماءُنا حول هذه المعارف، وملاحظة ما كتبوه أيضًا في هذا المجال، يُظهر بوضوح أنّ علماءنا – رضوان الله عليهم – هم من أوضحوا حقائق هذا العلم، ونقّوا مفاهيمه، وبيّنوا مقاصده، وأقاموا أركانه، ونظّموا مصطلحاته، ورفعوا علاماته.
وبالطبع، في النهاية، القرآن الكريم، وكلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأئمة أهل البيت الطاهرين (عليهم السلام) هم المعيار الأسمى لتحديد ما هو صحيح وما هو سقيم في مثل هذه المعارف. على المتشدّد أن يرجع إليهم، وعلى المعتدل أن يلتحق بهم، ومن أخذ علومه ومعارفه منهم فقد شرب بالفعل من نبع صافٍ لا انحراف فيه. يكفي في هذا الصدد الإشارة إلى قول الإمام الصادق (عليه السلام) حول الحسن البصري: «فليذهب الحسن يمينًا وشمالًا، فوالله ما يُوجد العلم إلا هنا[2]» وكذلك قوله (عليه السلام) حول حكم بن عتبة:«فليشرق الحَكَم وليغرب، أما والله لا يُصيب العلم إلا من أهل بيتٍ نزل عليهم جبريل.»[3]
وفي ختام هذا الحوار، أرغب أن أشير إلى أنّ الانغماس في أفكار ابن عربي لا يجدي نفعًا، بل الأجدى أن يُكرّس المرء جهده ووقته لتوضيح وشرح بعض الكلمات والأقوال المعارفية، أو السياسية والاجتماعية، لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، فهذا الأمر ألف مرة أكثر نفعًا من الانشغال بأقوال الآخرين، وأقرب من رضا الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[1] عيون الحكم والمواعظ، ص 118 و ص 425
[2] الكافي، الجزء 1، ص 51
[3] الكافي، الجزء 1، ص 399